ترميم مقبرة اليهود بدمشق يعيد إحياء إرث طائفة عريقة
بدأت في دمشق أعمال ترميم المقبرة اليهودية الرئيسية في العاصمة السورية، في خطوة تعكس مساعي متزايدة للحفاظ على أحد أبرز المعالم المرتبطة بتاريخ الطائفة اليهودية في البلاد، بالتزامن مع عودة محدودة ليهود سوريين مقيمين في الخارج لزيارة أماكنهم الدينية وقبور أجدادهم بعد التغيرات السياسية التي شهدتها سوريا عقب انتهاء حكم عائلة الأسد.
وأوضح جوزيف جاجاتي، رئيس مؤسسة «موزاييك» العاملة بين دمشق والولايات المتحدة والمشرفة على المشروع، أن المرحلة الأولى من الأعمال انطلقت بأعمال تنظيف الموقع وتدعيم القبور المتضررة بفعل الزمن، مشيراً إلى أن الخطة تتضمن خلال شهر يوليو (تموز) استكمال ترميم السور الخارجي للمقبرة، وتركيب منظومة إنارة حديثة وكاميرات مراقبة بهدف حماية الموقع والحفاظ على قيمته التاريخية.
وتقع المقبرة على طريق مطار دمشق، وتضم مئات القبور التي يعود بعضها إلى عقود طويلة، وتحمل شواهدها نقوشاً باللغتين العبرية والعربية، بما يعكس التنوع الثقافي الذي عرفته العاصمة السورية عبر مراحل مختلفة من تاريخها. وخلال جولة ميدانية، باشر مهندسون وعمال متخصصون تقييم حالة الجدران والمرافق، وإجراء مسح هندسي لتحديد متطلبات الترميم وأماكن تركيب أنظمة الإضاءة والمراقبة.
وأكد جاجاتي أن المقبرة لم تتعرض لأضرار مباشرة خلال سنوات الحرب التي اندلعت في سوريا عام 2011، لافتاً إلى أن آخر مراسم دفن شهدها الموقع كانت قبل نحو عام ونصف العام. لكنه أوضح أن المقبرة بقيت شبه مهجورة لعقود، مع تراجع زيارات أبناء الطائفة اليهودية إليها، قبل أن تشهد الأشهر الماضية عودة وفود من السوريين اليهود المقيمين في الخارج، الذين حرصوا على زيارة المقبرة وتفقد دور العبادة والممتلكات التاريخية المرتبطة بعائلاتهم.
وتأتي هذه الخطوة في سياق جهود أوسع لإعادة الاهتمام بالمواقع الدينية والتراثية التي تمثل مختلف مكونات المجتمع السوري، بعد سنوات طويلة من الحرب التي ألحقت أضراراً كبيرة بالعديد من المعالم التاريخية في البلاد، وأثرت في الحياة الدينية والاجتماعية لمختلف الطوائف.
وتُعد الطائفة اليهودية من أقدم المكونات الاجتماعية في سوريا، إذ استقر وجودها في دمشق ومدن أخرى منذ قرون، وأسهم أفرادها في النشاط التجاري والثقافي والاقتصادي للبلاد. وخلال القرن الماضي، كان عدد اليهود السوريين يقدر بآلاف الأشخاص، قبل أن يتراجع تدريجياً نتيجة موجات الهجرة، ولا سيما بعد السماح لهم بالسفر خارج البلاد عام 1992، بعدما كانت السلطات قد فرضت قيوداً على تنقلهم لسنوات. ويُقدر رئيس الطائفة اليهودية في دمشق بخور شمنطوب أن عدد اليهود المقيمين في سوريا اليوم لا يتجاوز ستة أشخاص.
وأدى اندلاع النزاع السوري إلى توقف معظم الأنشطة الدينية للطائفة، وأُغلقت جميع الكنس تقريباً، كما تعرض كنيس النبي إيليا في حي جوبر الدمشقي، أحد أبرز المزارات اليهودية التاريخية، لأعمال نهب ودمار خلال سنوات القتال، ما شكل خسارة كبيرة للتراث الديني في سوريا.
وفي المقابل، شهد شهر فبراير (شباط) 2025 محطة رمزية تمثلت في إقامة صلاة جماعية داخل كنيس الإفرنج بدمشق، بمشاركة يهود مقيمين في سوريا وآخرين قدموا من الولايات المتحدة، وذلك للمرة الأولى منذ أكثر من ثلاثة عقود، في مؤشر على عودة اهتمام أبناء الطائفة بإرثهم الديني والثقافي داخل البلاد.
ويرى القائمون على مشروع الترميم أن الحفاظ على المقبرة لا يقتصر على صيانة موقع للدفن، بل يمثل جزءاً من صون الذاكرة التاريخية لسوريا وتنوعها الديني والثقافي، باعتبارها شاهداً على حضور إحدى أقدم الطوائف التي عاشت في البلاد وأسهمت في تشكيل تاريخها الاجتماعي عبر قرون.