حرب إيران تشغل واشنطن وتمنح إسرائيل مساحة أوسع في غزة.. هل يتراجع ملف السلام؟
في الوقت الذي تتجه فيه أنظار المجتمع الدولي إلى المواجهة المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران، يبدو أن تداعيات هذا الصراع لم تتوقف عند حدود المواجهة المباشرة بين واشنطن وطهران، بل امتدت لتؤثر على ملفات إقليمية أخرى، وفي مقدمتها الحرب في قطاع غزة ومستقبل مسار التسوية السياسية.
فمع انشغال الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب بإدارة الأزمة الإيرانية ومحاولة احتواء تداعياتها الأمنية والعسكرية، يرى مراقبون أن إسرائيل حصلت على مساحة أوسع للتحرك داخل قطاع غزة، في ظل تراجع الاهتمام الأمريكي بالضغط من أجل تنفيذ بنود خطة السلام التي طرحتها واشنطن خلال الأشهر الماضية.
وتشير تقديرات سياسية إلى أن استمرار التوتر مع إيران يصب بشكل غير مباشر في مصلحة الحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو، التي لطالما اعتبرت طهران التهديد الأكبر في المنطقة، وهو ما ساهم في نقل بؤرة الاهتمام الدولي بعيدًا عن الأوضاع الإنسانية والسياسية في الأراضي الفلسطينية.
إيران في صدارة المشهد.. وغزة تدفع الثمن

بحسب تقارير غربية، فإن تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران أعاد ترتيب أولويات الإدارة الأمريكية، بعدما أصبحت الملفات الأمنية والعسكرية المرتبطة بطهران تتصدر أجندة البيت الأبيض.
ويرى محللون أن هذا التحول منح الحكومة الإسرائيلية هامشًا أكبر للتعامل مع الوضع في غزة وفق رؤيتها الأمنية، في وقت تراجعت فيه الضغوط الدولية المطالبة بتسريع خطوات وقف إطلاق النار والانتقال إلى مرحلة سياسية جديدة.
وكانت خطة السلام الأمريكية، التي طرحتها إدارة ترامب في أكتوبر الماضي، قد تضمنت 20 بندًا تهدف إلى إنهاء الحرب وبدء مرحلة جديدة في القطاع، إلا أن معظم هذه البنود لا تزال تواجه عراقيل كبيرة، سواء فيما يتعلق بالانسحاب الإسرائيلي، أو إدارة القطاع، أو إعادة الإعمار.
ورغم الإعلان عن اتفاق لوقف إطلاق النار في غزة، فإن العمليات العسكرية الإسرائيلية لم تتوقف بشكل كامل، واستمرت بدرجات متفاوتة، قبل أن تتزامن مع التصعيد الأمريكي الإيراني الأخير.
وتشير تقديرات ميدانية إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا الفلسطينيين منذ بدء تنفيذ الاتفاق، وسط استمرار الغارات والعمليات العسكرية في مناطق مختلفة من القطاع.
خطة السلام الأمريكية.. بنود معلقة تنتظر التنفيذ
رغم مرور أشهر على الإعلان عن الخطة الأمريكية الخاصة بغزة، فإن العديد من بنودها لم تجد طريقها إلى التنفيذ، الأمر الذي أثار تساؤلات حول مستقبلها وقدرة واشنطن على فرضها على الأطراف المعنية.
ومن أبرز الملفات العالقة مستقبل الوجود العسكري الإسرائيلي داخل القطاع، إذ لم تشهد المناطق التي تسيطر عليها القوات الإسرائيلية انسحابًا واسعًا، بل شهدت في المقابل تعزيزات عسكرية وإنشاء مواقع وتحركات ميدانية جديدة.
كما توسعت إسرائيل في تعزيز وجودها على طول ما يعرف بـ"الخط الأصفر"، وهو الخط الذي يمثل مناطق انتشار القوات الإسرائيلية بعد اتفاق وقف إطلاق النار، ما أثار مخاوف فلسطينية من تحول هذا الخط المؤقت إلى واقع جغرافي دائم.
ويرى مراقبون أن استمرار هذه الإجراءات قد يؤثر على أي ترتيبات مستقبلية بشأن إدارة غزة، خصوصًا إذا أدى إلى تكريس مناطق نفوذ منفصلة داخل القطاع.
استهداف البنية المدنية يثير انتقادات دولية
من بين الملفات التي أثارت جدلًا واسعًا استمرار استهداف منشآت مدنية داخل قطاع غزة، حيث تعرضت مرافق حيوية لهجمات خلال الفترة الماضية، بينها منشآت طبية وخدمية وأجهزة مدنية.
وفي هذا السياق، أشارت تقارير أممية إلى تعرض عناصر من الشرطة المدنية في القطاع لهجمات متكررة، ما أدى إلى سقوط عشرات القتلى، بينما تؤكد إسرائيل أن بعض المستهدفين لديهم ارتباطات بفصائل مسلحة.
في المقابل، ترى جهات فلسطينية ودولية أن استمرار استهداف المؤسسات المدنية يزيد من صعوبة إدارة الحياة اليومية داخل القطاع، ويضاعف الأزمة الإنسانية التي يعيشها السكان.
وتزداد هذه الأزمة في ظل وجود أكثر من مليوني فلسطيني داخل غزة يعيشون ظروفًا إنسانية صعبة، مع نقص في الخدمات الأساسية واعتماد واسع على المساعدات الدولية.
يعد ملف إعادة إعمار غزة من أبرز التحديات التي تواجه أي اتفاق سياسي مستقبلي، إلا أن هذا الملف لا يزال متعثرًا بسبب استمرار القيود على دخول المعدات والمواد اللازمة لعمليات البناء.
وتبرر إسرائيل بعض هذه القيود باعتبارات أمنية، مشيرة إلى إمكانية استخدام بعض المواد في أغراض عسكرية، بينما ترى منظمات إغاثية أن هذه الإجراءات تعرقل جهود إزالة الأنقاض وإعادة تأهيل المناطق المتضررة.
كما أن الجهود الدولية لإنشاء آلية واسعة لإعادة الإعمار لم تحقق تقدمًا ملموسًا حتى الآن، وسط مخاوف من أن يؤدي استمرار الجمود إلى إطالة معاناة السكان وتأخير عودة النازحين إلى مناطقهم.
وكانت الإدارة الأمريكية قد طرحت فكرة إنشاء إطار دولي للإشراف على إعادة الإعمار، إلا أن المشروع واجه صعوبات سياسية وميدانية حالت دون انطلاقه بالشكل المتوقع.
مستقبل إدارة غزة.. صراع بين الرؤى
من الملفات الأكثر تعقيدًا مستقبل إدارة قطاع غزة بعد الحرب، إذ نصت الخطة الأمريكية على تشكيل إدارة انتقالية من شخصيات فلسطينية مستقلة تتولى إدارة الشؤون المدنية خلال المرحلة المقبلة.
لكن هذا التصور يصطدم بخلافات كبيرة بين الأطراف المختلفة، خاصة فيما يتعلق بدور حركة حماس ومستقبل سلاحها داخل القطاع.
وتقول إسرائيل والجهات الداعمة لها إن أي تسوية يجب أن تتضمن إنهاء القدرات العسكرية لحماس، بينما تؤكد الحركة استعدادها لمناقشة ملف السلاح ضمن ترتيبات سياسية وأمنية شاملة تتضمن وقف العمليات الإسرائيلية ورفع القيود المفروضة على القطاع.
ويرى مراقبون أن استمرار الحرب الإقليمية مع إيران يزيد من صعوبة التوصل إلى تفاهمات داخل غزة، بسبب تغير الأولويات الدولية وانشغال القوى الكبرى بملفات أمنية أخرى.
هل تتحول الضغوط الإنسانية إلى وسيلة للتهجير؟
مع استمرار العمليات العسكرية والقيود المفروضة على القطاع، تتزايد المخاوف الفلسطينية من أن تؤدي الظروف الإنسانية الصعبة إلى دفع السكان نحو مغادرة غزة بشكل غير مباشر.
ويرى منتقدو السياسة الإسرائيلية أن تدمير البنية التحتية وتشديد القيود على الحياة اليومية قد يؤدي إلى خلق واقع يجعل البقاء داخل القطاع أكثر صعوبة.
في المقابل، تؤكد إسرائيل أنها لا تسعى إلى تهجير الفلسطينيين، وأن عملياتها تهدف فقط إلى منع تهديدات أمنية مرتبطة بالفصائل المسلحة.
وكانت خطة ترامب قد تضمنت بندًا واضحًا بشأن عدم إجبار أي فلسطيني على مغادرة غزة، مع التأكيد على ضرورة توفير الظروف التي تسمح للسكان بالبقاء والمشاركة في إعادة إعمار القطاع.
لكن الفجوة بين النصوص السياسية والواقع الميداني لا تزال واسعة، ما يثير تساؤلات حول مدى قدرة المجتمع الدولي على ضمان تنفيذ هذه الالتزامات.
نتنياهو وترامب.. اختبار العلاقة بين الحليفين
رغم التحالف الوثيق بين الولايات المتحدة وإسرائيل، فإن ملف غزة يمثل اختبارًا حقيقيًا للعلاقة بين ترامب ونتنياهو، خاصة في ظل اختلاف الأولويات بين الطرفين.
فبينما تركز الإدارة الأمريكية على احتواء التهديد الإيراني ومنع توسع دائرة الصراع، تسعى الحكومة الإسرائيلية إلى ضمان تحقيق أهدافها الأمنية في غزة والحفاظ على نفوذها العسكري داخل القطاع.
ويرى محللون أن استمرار انشغال واشنطن بإيران قد يمنح نتنياهو فرصة أكبر للمناورة السياسية، خاصة في ظل الضغوط الداخلية التي يواجهها بشأن إدارة الحرب ومستقبله السياسي.
السيناريوهات المقبلة.. بين التسوية والتصعيد
مع استمرار الحرب الإقليمية وتراجع فرص التوصل إلى حلول سريعة، تبدو الأوضاع في غزة أمام عدة سيناريوهات محتملة.
السيناريو الأول يتمثل في نجاح الضغوط الأمريكية والدولية في إعادة إحياء المسار السياسي، بما يسمح بتنفيذ خطة السلام وبدء مرحلة إعادة الإعمار.
أما السيناريو الثاني فيتمثل في استمرار حالة الجمود، مع بقاء القوات الإسرائيلية في مواقعها واستمرار الأزمة الإنسانية دون حل واضح.
بينما يبقى السيناريو الثالث مرتبطًا بتوسع المواجهة الإقليمية، وهو ما قد يؤدي إلى مزيد من التأخير في معالجة الملف الفلسطيني.
وفي النهاية، فإن مستقبل غزة يبدو مرتبطًا بشكل كبير بتطورات المشهد الإقليمي، خاصة مسار المواجهة بين واشنطن وطهران، ومدى قدرة الإدارة الأمريكية على تحقيق توازن بين أولوياتها الأمنية والتزاماتها السياسية تجاه القضية الفلسطينية.
فبينما تستمر الحرب في إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط، يبقى قطاع غزة في قلب اختبار دولي حاسم بين منطق الأمن والعسكرة، ومساعي الوصول إلى تسوية سياسية تضمن مستقبلًا أكثر استقرارًا للمنطقة.