رغم وقف إطلاق النار.. آلاف اللبنانيين يواجهون مصيرا مجهولا بعيدا عن منازلهم
أعاد اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله قدراً من الهدوء إلى لبنان، إلا أن هذا الهدوء لم ينعكس على حياة آلاف الأسر التي لا تزال عاجزة عن العودة إلى منازلها، بعدما دمرت الحرب مساكنها أو بسبب استمرار انتشار القوات الإسرائيلية في مناطق واسعة من جنوب البلاد.
ويجسد حسين مرعي، وهو مزارع من بلدة كفر كلا الحدودية، معاناة آلاف النازحين الذين وجدوا أنفسهم بلا مأوى رغم توقف العمليات العسكرية. ويقول إن منزله دُمر بالكامل، كما فقد مصدر رزقه وأرضه الزراعية، مضيفاً أن بلدته لا تزال ضمن المناطق التي يمنع سكانها من العودة إليها، ما يجعل وقف إطلاق النار بالنسبة إليه بلا أثر حقيقي على حياته.
ويقيم مرعي حالياً مع أسرته داخل أحد مراكز الإيواء المؤقتة في مدينة صيدا، حيث تحولت إحدى الجامعات إلى مأوى للنازحين. ويؤكد أن التهجير لم ينته بالنسبة إليه، وأن خسارته لم تقتصر على المنزل فقط، بل شملت حياته ومصدر دخله ومستقبل أسرته.
وبدأت إسرائيل عملياتها العسكرية الواسعة في لبنان مطلع مارس/آذار، رداً على الهجمات التي شنها حزب الله عبر الحدود. ومع اتساع رقعة المواجهات، أصدرت القوات الإسرائيلية أوامر بإخلاء عشرات البلدات والقرى في الجنوب، إضافة إلى مناطق في البقاع وضواحي بيروت، ما أدى إلى موجة نزوح غير مسبوقة.
ووفقاً للسلطات اللبنانية، تجاوز عدد النازحين خلال الحرب 1.2 مليون شخص، أي ما يقارب خمس سكان البلاد. وبينما لجأت غالبية الأسر إلى منازل الأقارب أو المناطق الأكثر أمناً، استقبلت مراكز الإيواء الحكومية عشرات الآلاف ممن فقدوا أي ملاذ آخر.
ورغم دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 20 يونيو/حزيران، وعودة عدد من العائلات إلى قراها، فإن العودة لا تزال محدودة. وتشير بيانات رسمية إلى مغادرة نحو 14 ألف شخص فقط مراكز الإيواء من أصل أكثر من 103 آلاف كانوا يقيمون فيها قبل الاتفاق، في وقت تؤكد فيه السلطات المحلية أن حجم الدمار الواسع يحول دون عودة أعداد كبيرة من السكان.
وتفيد تقديرات المجلس الوطني للبحوث العلمية في لبنان بأن أكثر من 90 ألف وحدة سكنية تعرضت للتدمير أو لأضرار متفاوتة منذ اندلاع الحرب وحتى منتصف يونيو، الأمر الذي يزيد من تعقيد أزمة السكن ويجعل إعادة الإعمار أولوية ملحة.
وتقول زهرة شحادة، والدة حسين مرعي، إن أسرتها فقدت مصدر دخلها بعد تعذر الوصول إلى المزرعة، معربة عن أملها في أن توفر الحكومة مساكن بديلة أو برامج دعم للإيجارات، خاصة في ظل الارتفاع الكبير في أسعار السكن.
في المقابل، لا تزال القوات الإسرائيلية متمركزة داخل شريط واسع من جنوب لبنان، وتؤكد أن بعض المناطق ستظل مغلقة أمام السكان إلى حين استكمال الترتيبات الأمنية. وبينما تصف منظمات حقوقية أوامر منع العودة بأنها مخالفة للقانون الدولي الإنساني، تقول إسرائيل إن هذه الإجراءات تهدف إلى حماية المدنيين.
وفي ظل استمرار المباحثات بشأن انسحاب القوات الإسرائيلية من بعض المناطق، تستعد الحكومة اللبنانية لاحتمال استمرار أزمة النزوح لفترة طويلة، عبر دراسة حلول تشمل إنشاء مساكن مؤقتة وتقديم مساعدات مالية للمتضررين، إلا أن محدودية التمويل وصعوبة توفير الأراضي المناسبة لا تزالان تمثلان أبرز التحديات.
وبين آمال العودة ومشاهد الدمار، يبقى آلاف اللبنانيين عالقين بين واقع النزوح ومستقبل مجهول، في انتظار تسوية تتيح لهم استعادة منازلهم وحياتهم التي فقدوها مع اندلاع الحرب.