مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

إسرائيل وخطة ما بعد الحرب في لبنان.. منطقة عازلة وسيطرة أمنية كاملة

نشر
الأمصار

في تحول لافت يعكس طبيعة المرحلة المقبلة في الصراع، كشفت إسرائيل عن ملامح خطة ما بعد الحرب في جنوب لبنان، والتي تقوم على فرض سيطرة أمنية ممتدة حتى نهر الليطاني، إلى جانب إجراءات ميدانية غير مسبوقة تشمل هدم القرى الحدودية ومنع عودة مئات الآلاف من النازحين.

هذه الخطة، التي أعلن عنها وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، تمثل انتقالًا واضحًا من العمليات العسكرية التقليدية إلى إعادة هندسة الواقع الأمني والجغرافي في جنوب لبنان، بما يضمن - من وجهة النظر الإسرائيلية - تقليص التهديدات المستقبلية بشكل جذري، وليس فقط احتوائها مؤقتًا كما كان يحدث في جولات سابقة من الصراع

السيطرة حتى الليطاني.. منطقة عازلة بحسابات أمنية دقيقة

Image

بحسب التصريحات الرسمية، يعتزم الجيش الإسرائيلي التمركز داخل منطقة أمنية تمتد حتى نهر الليطاني، وهو ما يعكس عودة قوية لفكرة "الحزام الأمني" ولكن بصيغة أكثر تشددًا واتساعًا.

هذه المنطقة لن تكون مجرد انتشار عسكري مؤقت، بل يُتوقع أن تتحول إلى نطاق أمني دائم أو شبه دائم، يعتمد على مراقبة مشددة، وانتشار قوات، واستخدام وسائل تكنولوجية متطورة مثل الطائرات بدون طيار وأنظمة الرصد الحديثة.

الهدف الرئيسي من هذه الخطوة هو إبعاد التهديدات المباشرة عن الحدود الإسرائيلية، خصوصًا الصواريخ المضادة للدبابات، التي شكلت في السنوات الأخيرة مصدر قلق متزايد لتل أبيب. كما تهدف إلى قطع خطوط الإمداد والتمركز لعناصر حزب الله في المناطق القريبة من الحدود.

هدم القرى الحدودية.. سياسة الأرض المحروقة

Image

إعلان نية هدم القرى الحدودية يمثل تحولًا نوعيًا في طبيعة العمليات، حيث تتبنى إسرائيل سياسة يمكن وصفها بـ"الأرض المحروقة"، بهدف إزالة أي بنية تحتية قد تُستخدم عسكريًا في المستقبل.

هذه السياسة، التي سبق تطبيقها في قطاع غزة، تعني عمليًا:

تدمير المنازل والمنشآت المدنية بالكامل

إزالة الغطاء العمراني الذي يمكن أن يُستخدم للتمويه العسكري

خلق شريط خالٍ من السكان على الحدود

لكن هذه الخطوة تحمل مخاطر كبيرة، إذ لا تقتصر على الجانب العسكري، بل تمتد إلى تغيير شامل لطبيعة المنطقة ديموغرافيًا وعمرانيًا، وهو ما قد يجعل العودة مستقبلاً شبه مستحيلة دون إعادة إعمار شاملة.

النازحون.. أزمة إنسانية تتفاقم

منع عودة أكثر من 600 ألف نازح لبناني إلى جنوب الليطاني يمثل أحد أخطر أبعاد الخطة، حيث يضع مئات الآلاف أمام واقع جديد قد يمتد لسنوات.

تشير التقديرات إلى أن نحو 70% من سكان الجنوب اضطروا إلى النزوح، وهو رقم ضخم يعكس حجم التأثير الإنساني للصراع. ومع استمرار منع العودة، قد تتحول هذه الأزمة إلى:

نزوح طويل الأمد

ضغط كبير على المدن اللبنانية الأخرى

ارتفاع معدلات الفقر والبطالة

أزمات في الخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم

كما أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تغييرات اجتماعية عميقة داخل المجتمع اللبناني، نتيجة إعادة توزيع السكان بشكل قسري.

الميدان العسكري.. معارك مستمرة رغم الحديث عن “اليوم التالي”

Image

رغم الحديث عن خطط ما بعد الحرب، فإن الواقع الميداني يشير إلى أن القتال لا يزال في ذروته، مع سقوط قتلى وجرحى في صفوف الجيش الإسرائيلي، واستمرار الاشتباكات مع حزب الله.

هذا التناقض بين التخطيط للمستقبل واستمرار العمليات يعكس أن إسرائيل تعمل وفق استراتيجية مزدوجة:

تحقيق مكاسب ميدانية فورية

التحضير لمرحلة ما بعد الحرب بالتوازي

كما يدل على أن حسم المعركة لم يتحقق بعد، وأن أي خطة مستقبلية ستظل مرتبطة بنتائج المواجهات الجارية.

حزب الله.. بين التراجع والقدرة على الرد

رغم الضربات الإسرائيلية، تشير المعطيات إلى أن حزب الله لا يزال يحتفظ بقدرات عسكرية مؤثرة، سواء من حيث إطلاق الصواريخ أو تنفيذ عمليات ميدانية.

هذا الواقع يفسر تشدد إسرائيل في خطتها، حيث تسعى إلى منع إعادة تمركز الحزب في الجنوب بأي شكل، حتى لو تطلب ذلك تغييرات جذرية في طبيعة المنطقة.

وفي المقابل، قد يدفع هذا الضغط حزب الله إلى تصعيد غير متوقع، سواء عبر تكثيف الهجمات أو توسيع نطاق المواجهة.

الأبعاد الإقليمية.. ارتباط مباشر بالصراع مع إيران

لا يمكن فصل ما يحدث في جنوب لبنان عن الصراع الأوسع بين إسرائيل وإيران، حيث يُنظر إلى حزب الله باعتباره أحد أهم أذرع طهران في المنطقة.

وبالتالي، فإن أي تحرك إسرائيلي في لبنان يُعد جزءًا من استراتيجية أوسع لمواجهة النفوذ الإيراني، وهو ما يفسر:

تزامن العمليات في لبنان مع توترات في جبهات أخرى

التركيز على تقليص قدرات حلفاء إيران

محاولة فرض واقع أمني جديد يحد من نفوذ طهران

تداعيات دولية.. ضغوط وتحذيرات

من المتوقع أن تثير هذه الخطة ردود فعل دولية قوية، خاصة فيما يتعلق بالجوانب الإنسانية، حيث قد تواجه إسرائيل:

انتقادات من منظمات حقوق الإنسان

ضغوط دبلوماسية لوقف عمليات الهدم

مطالبات بعودة النازحين

تحركات في مجلس الأمن لبحث الوضع

كما أن استمرار التصعيد قد يؤثر على الاستقرار الإقليمي وأسواق الطاقة العالمية، خاصة إذا توسعت دائرة الصراع.

السيناريوهات المحتملة.. ماذا بعد؟

في ضوء هذه المعطيات، يمكن تصور عدة سيناريوهات:

تثبيت المنطقة الأمنية وفرض واقع جديد طويل الأمد

تصعيد عسكري أكبر إذا رد حزب الله بقوة

تدخل دولي لفرض تسوية أو وقف إطلاق نار

استنزاف طويل دون حسم واضح لأي طرف

كل هذه السيناريوهات تعكس أن الوضع لا يزال مفتوحًا، وأن المنطقة قد تدخل مرحلة من عدم الاستقرار المستمر.

تكشف خطة ما بعد الحرب في جنوب لبنان عن تحول كبير في الاستراتيجية الإسرائيلية، من إدارة الصراع إلى إعادة تشكيله بالكامل. وبينما تسعى تل أبيب لضمان أمنها عبر إنشاء منطقة عازلة ومنع التهديدات المستقبلية، فإن هذه الإجراءات تطرح تحديات إنسانية وسياسية معقدة.

وفي ظل استمرار القتال، وتداخل العوامل الإقليمية والدولية، يبدو أن جنوب لبنان يقف أمام مرحلة مفصلية، قد تعيد رسم خريطته لسنوات طويلة قادمة، وتفتح الباب أمام واقع جديد لا يزال غامض الملامح.