مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

مؤتمر برلين الثالث حول السودان.. معركة السلام بين ضغوط دولية وحملات تشويش

نشر
الأمصار

في ظل استمرار الحرب الدامية في السودان منذ عام 2023، تتجه الأنظار إلى العاصمة الألمانية برلين التي تستضيف في أبريل 2026 النسخة الثالثة من مؤتمر دعم السلام وإعادة الإعمار. 

ويُنظر إلى هذا المؤتمر باعتباره محطة مفصلية في مسار الجهود الدولية لإنهاء الصراع، لكنه يأتي في وقت تتصاعد فيه حملات التشكيك والمقاطعة، ما يعكس حجم الصراع السياسي حول مستقبل السودان.

وفي لحظة فارقة من تاريخ السودان الحديث، تتقاطع الجهود الدولية مع تعقيدات المشهد الداخلي في محاولة لوقف واحدة من أعنف الأزمات التي يشهدها البلد منذ عقود.

 ومع استمرار الحرب وتفاقم الكارثة الإنسانية، يبرز مؤتمر برلين الثالث حول السودان كمنصة دولية جديدة تسعى لإعادة إحياء مسار السلام، وجمع الأطراف المتنازعة على طاولة الحوار.

 غير أن هذا الحراك لا يسير في مسار هادئ، إذ تحيط به موجة من الجدل والتشكيك، ما يعكس حجم الصراع السياسي حول مستقبله، ويطرح تساؤلات جوهرية حول فرص نجاحه في إنهاء الحرب ووضع السودان على طريق الاستقرار.

ما هو مؤتمر برلين الثالث حول السودان وما أهدافه؟

يأتي مؤتمر برلين الثالث حول السودان في سياق دولي وإقليمي بالغ التعقيد، حيث يسعى المجتمع الدولي إلى احتواء تداعيات الحرب المستمرة في السودان منذ عام 2023، والتي أدت إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم. 

ويُعد هذا المؤتمر امتدادًا لسلسلة من الجهود السياسية التي استضافتها عواصم مختلفة، في محاولة لإيجاد صيغة متكاملة تُنهي الصراع وتضع أسسًا لمرحلة انتقالية مستقرة.

يهدف المؤتمر، في جوهره، إلى إعادة إحياء المسار السياسي الذي تعثر بسبب تصاعد العمليات العسكرية، وذلك من خلال دفع الأطراف السودانية نحو وقف إطلاق النار والعودة إلى طاولة التفاوض. ولا يقتصر هذا الهدف على مجرد التهدئة المؤقتة، بل يمتد إلى محاولة بناء إطار سياسي شامل يضمن انتقالًا مدنيًا حقيقيًا، ويُعيد تشكيل مؤسسات الدولة على أسس توافقية تُنهي حالة الانقسام الحاد.

كما يركز المؤتمر بشكل كبير على البعد الإنساني، في ظل التدهور الكبير في الأوضاع المعيشية لملايين السودانيين، حيث يسعى إلى حشد التمويل الدولي وتنسيق جهود الإغاثة لضمان وصول المساعدات إلى المتضررين، خاصة في مناطق النزاع التي تعاني من نقص حاد في الغذاء والدواء.

 وفي هذا السياق، يمثل المؤتمر منصة لتوحيد الجهود بين المنظمات الدولية والدول المانحة، بهدف التعامل مع الأزمة بشكل أكثر فاعلية واستدامة.

ومن بين الأهداف الرئيسية أيضًا، وضع تصور عملي لمرحلة إعادة الإعمار، إذ يدرك المشاركون أن إنهاء الحرب دون خطة واضحة لإعادة بناء البنية التحتية والاقتصاد لن يؤدي إلى استقرار دائم. 

لذلك، يناقش المؤتمر آليات دعم الاقتصاد السوداني، وإعادة تأهيل المؤسسات، وتهيئة بيئة جاذبة للاستثمار، بما يسهم في استعادة الدولة لعافيتها تدريجيًا.

إلى جانب ذلك، يسعى المؤتمر إلى خلق نوع من التوازن في الأدوار الدولية والإقليمية المؤثرة في الملف السوداني، من خلال تنسيق المواقف والحد من التنافس الذي قد يُعرقل مسار الحل السياسي. فالتحدي لا يقتصر على جمع الأطراف السودانية فقط، بل يمتد إلى توحيد رؤية القوى الدولية الداعمة، بما يمنع تضارب المبادرات ويُعزز فرص الوصول إلى تسوية شاملة.

في المجمل، لا يُنظر إلى مؤتمر برلين الثالث كحدث دبلوماسي عابر، بل كمحاولة جادة لإعادة رسم مسار الأزمة السودانية، عبر الجمع بين الضغط السياسي والدعم الإنساني والتخطيط الاستراتيجي، في إطار رؤية تسعى إلى إنهاء الحرب وبناء سلام مستدام.

ويسبق مؤتمر برلين اجتماع تحضيري في أديس أبابا لتنسيق الحوار السوداني–السوداني وصياغة مخرجات عملية للمؤتمر  

من يحاول التشويش على المؤتمر والتقليل من أهميته؟

تحيط بـ مؤتمر برلين الثالث حول السودان حالة من الجدل السياسي والإعلامي، حيث تسعى بعض الأطراف إلى التشويش عليه والتقليل من أهميته، في إطار صراع أوسع على شكل الحل السياسي في السودان ومستقبل السلطة فيه.

في مقدمة هذه الأطراف، تبرز قوى وشخصيات مرتبطة بالسلطة القائمة في بورتسودان، والتي تنظر بحذر إلى أي مسار دولي قد يُعيد تشكيل التوازنات الداخلية أو يفرض ترتيبات سياسية لا تتوافق مع رؤيتها. 

هذه القوى تميل إلى التشكيك في المؤتمر عبر طرح تساؤلات حول تمثيل الأطراف السودانية، واعتبار أن بعض القوى المدنية تحظى بدعم أكبر من غيرها، وهو ما يُستخدم كمدخل للتقليل من شرعية المؤتمر.

كما تلعب تيارات محسوبة على الحركة الإسلامية السودانية دورًا بارزًا في حملات التشويش، حيث ترى أن أي عملية سياسية مدعومة دوليًا قد تُفضي إلى إقصائها من المشهد. لذلك تعمل هذه التيارات على الترويج لخطاب يُصوّر المؤتمر باعتباره تدخلًا خارجيًا في الشأن السوداني، وتسعى إلى التأثير على الرأي العام عبر التشكيك في نوايا القوى الدولية المشاركة فيه.

إلى جانب ذلك، هناك أطراف مستفيدة من استمرار حالة الصراع، سواء كانت قوى عسكرية أو شبكات مصالح اقتصادية نشأت في ظل الحرب، وهذه الجهات لا تجد مصلحة في نجاح أي مبادرة سلام قد تُنهي نفوذها أو تُخضعها لضغوط سياسية ودولية. لذلك تلجأ إلى التقليل من فرص نجاح المؤتمر، والترويج لفكرة أنه لن يختلف عن محاولات سابقة لم تحقق نتائج ملموسة.

ولا يمكن إغفال دور بعض الحملات الإعلامية المنظمة، التي تسعى إلى خلق انطباع عام بأن المؤتمر مجرد تحرك شكلي أو بلا تأثير حقيقي، وهو ما يندرج ضمن محاولات أوسع لإضعاف الزخم الدولي حوله قبل انعقاده.
في المجمل، فإن محاولات التشويش على المؤتمر تعكس في جوهرها صراعًا على النفوذ والمصالح، حيث تخشى بعض الأطراف من أن يؤدي نجاحه إلى تغييرات جوهرية في موازين القوى داخل السودان، وهو ما يدفعها إلى التقليل من أهميته أو التشكيك في جدواه.

 

في النهاية، يمثل مؤتمر برلين الثالث اختبارًا حقيقيًا لإرادة المجتمع الدولي والسودانيين في إنهاء واحدة من أخطر الأزمات في المنطقة. وبين محاولات التشويش وجهود السلام، يبقى السؤال الأهم: هل تنجح هذه المحطة في وقف نزيف الحرب، أم تضيع فرصة جديدة في دوامة الصراع؟..