مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

تحالف إقليمي لإدارة مضيق هرمز.. هل تنجح تجربة مستوحاة من قناة السويس في احتواء الأزمة؟

نشر
مضيق هرمز
مضيق هرمز

في ظل تصاعد التوترات العسكرية في منطقة الشرق الأوسط، عاد مضيق هرمز إلى صدارة المشهد الدولي باعتباره أحد أهم شرايين الطاقة في العالم. 

ومع تعطل جزئي لحركة الملاحة نتيجة التصعيد بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، برزت مقترحات إقليمية ودولية لإعادة تنظيم المرور في المضيق، كان أبرزها فكرة إنشاء كونسورتيوم دولي تقوده مصر والسعودية وتركيا، مستلهمًا نموذج إدارة قناة السويس. 

هذه التطورات تعكس تحولات استراتيجية في طريقة التعامل مع الممرات البحرية الحيوية، وتفتح الباب أمام تساؤلات حول جدوى هذا الطرح في ظل التعقيدات السياسية والعسكرية القائمة.

خلفية الأزمة في مضيق هرمز
يمر نحو 20% من صادرات النفط العالمية عبر مضيق هرمز، ما يجعله نقطة ارتكاز أساسية في منظومة الطاقة العالمية. ومع اندلاع الحرب الأخيرة، أعلنت إيران فرض قيود صارمة على مرور شحنات النفط، خاصة تلك المرتبطة بالولايات المتحدة وحلفائها، في خطوة اعتُبرت تصعيدًا مباشرًا في وجه الضغوط العسكرية.

هذا القرار أدى إلى اضطراب كبير في أسواق الطاقة، ورفع منسوب القلق لدى الدول الصناعية التي تعتمد بشكل كبير على تدفق النفط من الخليج. 

كما دفع شركات الشحن إلى إعادة تقييم مساراتها، ما تسبب في ارتفاع تكاليف النقل والتأمين.

ملامح التحالف المقترح
وفقًا لما نقلته وكالة رويترز، تدرس كل من مصر والسعودية وتركيا تشكيل كيان دولي لإدارة حركة الملاحة في المضيق، عبر فرض رسوم عبور على السفن، على غرار النموذج المعمول به في قناة السويس.

ويهدف هذا الطرح إلى تحقيق عدة أهداف، أبرزها ضمان استمرار تدفق النفط، وتقليل المخاطر الأمنية، وتوفير آلية تنظيمية تضمن توزيع الأعباء والتكاليف بين الدول المستفيدة.

كما تم طرح الفكرة خلال لقاءات منفصلة مع وفود أمريكية وإيرانية، في محاولة لإيجاد أرضية مشتركة قد تسهم في تخفيف حدة التوتر.

قناة السويس كنموذج ملهم
يستند المقترح إلى تجربة قناة السويس، التي تُعد واحدة من أنجح نماذج إدارة الممرات الملاحية عالميًا، حيث توفر نظامًا متكاملًا يضمن المرور الآمن والمنظم للسفن مقابل رسوم محددة.
وتسعى الدول المقترحة للتحالف إلى نقل هذا النموذج إلى مضيق هرمز، مع تعديلات تتناسب مع الطبيعة الجيوسياسية المعقدة للمنطقة.

غير أن تطبيق هذا النموذج يواجه تحديات كبيرة، أبرزها غياب السيادة الموحدة على المضيق، ووجود أطراف متنازعة تملك القدرة على تعطيل أي ترتيبات دولية.

التحركات الدبلوماسية الموازية
بالتزامن مع هذه المقترحات، تشهد الساحة الدولية حراكًا دبلوماسيًا مكثفًا، من بينها اجتماع وزاري يضم دول الخليج وروسيا والأردن في إسلام آباد، لبحث تداعيات الهجمات الإيرانية وتطورات الأزمة.

هذه الاجتماعات تعكس إدراكًا متزايدًا لخطورة الوضع، وضرورة التنسيق بين القوى الإقليمية والدولية لتجنب انزلاق المنطقة إلى صراع أوسع.
كما تشير إلى أن إدارة الأزمة لم تعد مقتصرة على الأطراف المباشرة، بل أصبحت قضية دولية تتطلب حلولًا جماعية.

تصعيد أمريكي ورسائل حاسمة

في المقابل، يواصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تصعيد لهجته تجاه إيران، حيث أعلن صراحة إمكانية “الاستيلاء على النفط الإيراني”، في إشارة إلى خيارات عسكرية واقتصادية قد تشمل السيطرة على منشآت حيوية مثل جزيرة خارك.

كما حدد مهلة زمنية لطهران للقبول باتفاق ينهي الحرب، ملوحًا بتوجيه ضربات جديدة لقطاع الطاقة في حال رفضت.

هذا التصعيد يعكس رغبة واشنطن في فرض واقع جديد على الأرض، لكنه في الوقت ذاته يزيد من تعقيد المشهد ويصعّب فرص التوصل إلى تسوية سريعة.

الحرب في شهرها الثاني
دخلت المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، شهرها الثاني، وسط تبادل مستمر للضربات الجوية والصاروخية.

وقد بدأت هذه الحرب عقب عملية اغتيال استهدفت قيادات بارزة في إيران، من بينهم المرشد الأعلى، ما أدى إلى تصعيد غير مسبوق في وتيرة العمليات العسكرية.

وردت إيران بسلسلة من الهجمات التي استهدفت قواعد ومواقع عسكرية أمريكية وإسرائيلية، مستخدمة الصواريخ والطائرات المسيرة، ما أدى إلى توسيع نطاق الصراع.

الأبعاد الاقتصادية للصراع
لا تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب العسكري، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي بشكل مباشر. فتعطيل الملاحة في مضيق هرمز يهدد بإحداث صدمة في أسواق الطاقة، قد تؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط والغاز.

كما أن استمرار التوتر قد يدفع الدول المستوردة إلى البحث عن بدائل، ما يغير من خريطة التجارة العالمية على المدى الطويل.

وفي هذا السياق، يبرز المقترح الإقليمي كمحاولة لتقليل الخسائر الاقتصادية، عبر إيجاد آلية تضمن استمرار التدفقات النفطية.

التحديات أمام تنفيذ المقترح
رغم الطابع العملي للفكرة، إلا أن تنفيذها يواجه عقبات كبيرة. أولها الرفض المحتمل من قبل إيران، التي قد ترى في هذا التحالف محاولة للالتفاف على سيادتها.

كما أن وجود قوات عسكرية متعددة في المنطقة يزيد من تعقيد أي ترتيبات تنظيمية، خاصة في ظل غياب الثقة بين الأطراف المتنازعة.

إضافة إلى ذلك، يتطلب إنشاء كونسورتيوم دولي توافقًا سياسيًا واسعًا، وهو أمر يصعب تحقيقه في ظل الاستقطاب الحالي.

سيناريوهات المستقبل
تتراوح السيناريوهات المحتملة بين نجاح الجهود الدبلوماسية في التوصل إلى اتفاق يضمن حرية الملاحة، وبين استمرار التصعيد وتحول المضيق إلى ساحة مواجهة مفتوحة.
في السيناريو الأول، قد يسهم التحالف المقترح في تهدئة الأوضاع، خاصة إذا حظي بدعم دولي واسع.

أما في السيناريو الثاني، فإن فشل هذه الجهود قد يؤدي إلى تدخل عسكري أوسع، وربما تشكيل تحالفات بحرية لحماية السفن بالقوة.

تعكس فكرة إنشاء تحالف لإدارة مضيق هرمز تحولًا مهمًا في التفكير الاستراتيجي للدول الإقليمية، التي باتت تبحث عن حلول مبتكرة لتجاوز الأزمات. وبينما يحمل هذا المقترح فرصًا حقيقية لتخفيف التوتر وضمان استقرار أسواق الطاقة، فإن نجاحه يظل مرهونًا بمدى استعداد الأطراف المتنازعة لتقديم تنازلات، وتغليب منطق التعاون على التصعيد. 

وفي ظل استمرار الحرب وتعقيداتها، يبقى مضيق هرمز اختبارًا حقيقيًا لقدرة المجتمع الدولي على إدارة الأزمات في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية.