مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

هل روسيا ستظل التهديد الأكبر لأمن أوروبا؟

نشر
الأمصار

أكد حلف شمال الأطلسي على لسان أمينه العام مارك روته أن روسيا لا تزال تمثل التهديد الأكبر والأكثر خطورة لأمن القارة الأوروبية، في ظل تصاعد التوترات الأمنية واستمرار الحرب في أوكرانيا. 

وجاءت هذه التصريحات في سياق مؤتمر صحفي تناول فيه روته أبرز التحديات التي تواجه الحلف، إضافة إلى الخطط المستقبلية لتعزيز الردع والدفاع الجماعي.

تصاعد التهديدات الروسية في أوروبا
أوضح روته أن البيئة الأمنية في أوروبا أصبحت أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى، مشيرًا إلى أن التحركات الروسية، سواء العسكرية أو التكنولوجية، تعكس نهجًا تصعيديًا يفرض على الحلف إعادة تقييم استراتيجياته الدفاعية.

وأشار إلى الانتهاكات المتكررة للمجال الجوي، خاصة عبر الطائرات المسيّرة التي دخلت أجواء دول مثل بولندا، وهو ما اعتبره مؤشرًا واضحًا على تزايد المخاطر المباشرة.

وأكد أن هذه التطورات دفعت الحلف إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لتعزيز قدراته الدفاعية، خصوصًا في الجناح الشرقي الذي يمتد من شمال أوروبا إلى منطقة دول البلطيق. ويُنظر إلى هذه المنطقة باعتبارها خط المواجهة الأول في حال حدوث أي تصعيد عسكري محتمل مع روسيا.

تعزيز الردع العسكري والتكنولوجي
في إطار مواجهة التحديات الجديدة، كشف الأمين العام للناتو عن توجه الحلف نحو تبني حلول تكنولوجية مبتكرة، تشمل أنظمة متقدمة لاعتراض الطائرات المسيّرة والتعامل مع التهديدات غير التقليدية. وأشار إلى أن الحروب الحديثة لم تعد تقتصر على المواجهات التقليدية، بل تشمل مجالات مثل الحرب السيبرانية والذكاء الاصطناعي.

وأضاف أن الحلف يعمل على تطوير بنيته التحتية العسكرية، بما في ذلك إنشاء مراكز متخصصة لرصد التهديدات والاستجابة السريعة لها. كما يجري تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء لتبادل المعلومات الاستخباراتية بشكل أكثر كفاءة، ما يسهم في تحسين القدرة على التنبؤ بالأزمات قبل وقوعها.

أمن أوكرانيا جزء من أمن الناتو
فيما يتعلق بالحرب في أوكرانيا، شدد روته على أن أمن دول الناتو مرتبط بشكل مباشر بأمن كييف، معتبرًا أن أي تراجع في دعم أوكرانيا قد ينعكس سلبًا على استقرار أوروبا بأكملها. وأوضح أن عام 2025 شهد تحولًا مهمًا، حيث أصبح الحلف يقدم الجزء الأكبر من المساعدات العسكرية لأوكرانيا.

وأشار إلى إطلاق مبادرة جديدة تهدف إلى توفير مليارات اليورو لتمويل تزويد أوكرانيا بالمعدات العسكرية الثقيلة، بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي. كما لفت إلى العمل مع ما يُعرف بـ"تحالف الراغبين"، وهو تجمع من الدول المستعدة لتقديم ضمانات أمنية طويلة الأمد لأوكرانيا بعد انتهاء الحرب.

وأوضح أن هذه الضمانات تهدف إلى منع تكرار النزاع مستقبلاً، من خلال تعزيز قدرات أوكرانيا الدفاعية وضمان استقرارها السياسي والعسكري.

زيادة غير مسبوقة في الإنفاق الدفاعي
أبرز روته أن الناتو يشهد تحولًا تاريخيًا في سياسات الإنفاق الدفاعي، حيث تسعى بعض الدول الأعضاء إلى رفع إنفاقها إلى ما يصل إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي. ويأتي ذلك في إطار تعزيز الجاهزية العسكرية ومواكبة التحديات المتزايدة.

وأشار إلى أن عام 2025 شهد لأول مرة التزام جميع الدول الأعضاء بتحقيق الحد الأدنى للإنفاق الدفاعي البالغ 2%، وهو الهدف الذي طالما دعا إليه الحلف. ولم يقتصر الأمر على تحقيق هذا الهدف فحسب، بل تجاوزته عدة دول، ما يعكس تغيرًا جذريًا في إدراك الدول الأوروبية وكندا لمسؤولياتها الأمنية.

وأكد أن هذا التحول يعكس رغبة متزايدة لدى الحلفاء في تقليل الاعتماد على القدرات العسكرية الأمريكية، وبناء منظومة دفاعية أكثر استقلالية وتكاملًا.

الناتو بين القوة والتحديات المستقبلية
رغم التحديات، أكد روته أن الناتو أصبح اليوم أقوى من أي وقت مضى، بفضل الاستثمارات الضخمة في المجال الدفاعي وزيادة الإنتاج العسكري. وأشار إلى أن الابتكار الصناعي يلعب دورًا محوريًا في تعزيز القدرات العسكرية، خاصة في مجالات مثل تصنيع الأسلحة المتقدمة وأنظمة الدفاع الجوي.

ومع ذلك، أقر بأن الطريق أمام الحلف لا يخلو من التحديات، خصوصًا في ظل استمرار التوتر مع روسيا، والتغيرات الجيوسياسية العالمية التي تشمل صعود قوى جديدة وتزايد النزاعات الإقليمية.

كما أشار إلى أن الحفاظ على وحدة الحلف يمثل عنصرًا أساسيًا في مواجهة هذه التحديات، مؤكدًا أن التضامن بين الدول الأعضاء هو الضامن الحقيقي لاستمرار قوة الناتو وفعاليته.

مستقبل الأمن الأوروبي
تطرح تصريحات أمين عام الناتو تساؤلات مهمة حول مستقبل الأمن في أوروبا، خاصة في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا وتزايد التوترات مع روسيا. ويبدو أن القارة تتجه نحو مرحلة جديدة تتسم بزيادة الاعتماد على القدرات الذاتية وتعزيز الشراكات الدفاعية.

ويرى مراقبون أن هذه التحولات قد تؤدي إلى إعادة تشكيل النظام الأمني الأوروبي، بحيث يصبح أكثر مرونة وقدرة على التعامل مع التهديدات المتنوعة، سواء كانت تقليدية أو غير تقليدية.

في النهاية، تعكس مواقف الناتو إدراكًا متزايدًا بأن التحديات الأمنية الحالية تتطلب استجابة جماعية قوية، تقوم على الابتكار والتعاون والاستثمار المستدام في الدفاع. 

وبينما تستمر الأزمة الروسية الأوكرانية في تشكيل ملامح المرحلة المقبلة، يبقى السؤال الأهم: هل تنجح هذه الجهود في تحقيق استقرار طويل الأمد لأوروبا، أم أن القارة مقبلة على مرحلة جديدة من الصراع والتوتر؟