مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

هل يؤثر التهديد بالردع النووي على استمرار حرب إيران؟

نشر
الأمصار

يشهد الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية في ظل تصاعد المواجهة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، حيث تتقاطع الحسابات العسكرية مع الاعتبارات الجيوسياسية والاقتصادية. وفي قلب هذه المعادلة يبرز سؤال جوهري: هل يمكن للتهديد باستخدام الردع النووي أن يؤثر فعليًا على مسار الحرب، أو حتى يوقفها؟

مفهوم الردع النووي وتطوره

يُعد الردع النووي أحد أهم المفاهيم التي حكمت العلاقات الدولية منذ الحرب الباردة، حيث استند إلى مبدأ “التدمير المتبادل المؤكد”، الذي يعني أن أي استخدام للسلاح النووي سيؤدي إلى دمار شامل للطرفين. ومع نهاية الحرب الباردة، لم يختفِ هذا المفهوم، بل أعيد تشكيله ليتلاءم مع واقع دولي أكثر تعقيدًا، يشهد تعدد القوى النووية وتنوع أشكال الصراعات.

في السياق الحالي، لم يعد السلاح النووي يُستخدم فقط لمنع الحرب بين القوى الكبرى، بل أصبح أداة لضبط التوازنات الإقليمية، وإرسال رسائل استراتيجية دون الوصول إلى المواجهة المباشرة. ومع ذلك، يبقى استخدامه الفعلي خيارًا بالغ الخطورة، نظرًا لتداعياته الكارثية.

إيران كدولة عتبة نووية

تُصنف إيران ضمن ما يُعرف بـ”دول العتبة النووية”، أي الدول التي تمتلك القدرات التقنية والمعرفية التي تؤهلها لإنتاج سلاح نووي خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا، حال اتخاذ القرار السياسي بذلك. وتشير التقديرات إلى أن طهران قد تحتاج ما بين 6 إلى 12 شهرًا لتطوير سلاح نووي بدائي.

وقد عززت إيران قدراتها النووية خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2018، حيث قامت بتطوير أجهزة الطرد المركزي وزيادة مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب. كما تمتلك منظومة صاروخية متقدمة قادرة نظريًا على حمل رؤوس نووية، ما يعزز من مصداقية تهديداتها.

لكن رغم هذه القدرات، فإن الانتقال من “القدرة” إلى “الامتلاك الفعلي” للسلاح النووي يظل قرارًا سياسيًا معقدًا، تحكمه اعتبارات داخلية وخارجية، في مقدمتها ردود الفعل الدولية.

الردع النووي كخيار استراتيجي

في ظل الضغوط العسكرية المتزايدة، قد ترى إيران في الردع النووي وسيلة لاستعادة توازن القوى، خاصة بعد تعرض منظومتها التقليدية لضربات مؤثرة. فامتلاك سلاح نووي—even بشكل بدائي—قد يغير قواعد اللعبة، ويجعل أي هجوم عليها أكثر تكلفة.

إلا أن هذا الخيار لا يخلو من المخاطر. فمجرد السعي الجاد نحو إنتاج سلاح نووي قد يمنح خصومها مبررًا لتصعيد العمليات العسكرية، وربما توجيه ضربات استباقية لمنشآتها النووية. كما أن ذلك قد يؤدي إلى فقدان الدعم الدولي، خاصة من الدول التي ما زالت تتبنى موقفًا متوازنًا تجاه الأزمة.

الدور الروسي والصيني

تلعب كل من روسيا والصين دورًا معقدًا في هذه الأزمة. فمن جهة، تسعى موسكو إلى استثمار الصراع لإضعاف النفوذ الأمريكي، وقد تقدم دعمًا استخباراتيًا أو تقنيًا لإيران. ومن جهة أخرى، تتجنب الانخراط المباشر في مواجهة قد تتطور إلى صراع نووي.

أما الصين، فتعتمد سياسة “عدم البدء باستخدام السلاح النووي”، ما يجعلها أقل ميلًا لدعم أي تصعيد نووي، رغم مصالحها الاقتصادية في استقرار المنطقة، خاصة فيما يتعلق بإمدادات الطاقة.

وبالتالي، فإن احتمالات حصول إيران على “مظلة نووية” من إحدى هذه القوى تبدو محدودة، على الأقل في المرحلة الحالية.

قيود الواقع الدولي

تواجه إيران قيودًا كبيرة في حال قررت التلويح بالردع النووي. فالمجتمع الدولي يراقب عن كثب أي تحركات في برنامجها النووي، وأي تصعيد في هذا الاتجاه قد يؤدي إلى فرض عقوبات أشد، أو حتى تشكيل تحالف دولي أوسع ضدها.

كما أن استخدام السلاح النووي—أو حتى التهديد الجاد به—قد يقوض الرواية الإيرانية التي تقدم نفسها كضحية لعدوان خارجي، ويحولها إلى طرف مهدد للأمن العالمي.

أوراق الضغط غير النووية

في المقابل، تمتلك إيران أدوات أخرى للمناورة قد تكون أكثر فاعلية في هذه المرحلة. من أبرزها موقعها الجغرافي الاستراتيجي، خاصة سيطرتها على مضيق هرمز، الذي يُعد شريانًا حيويًا لتدفق النفط العالمي.

كما تعتمد إيران على شبكة من الحلفاء والوكلاء في المنطقة، إلى جانب قدراتها في الحرب غير التقليدية، مثل الطائرات المسيّرة والهجمات السيبرانية. هذه الأدوات تمنحها مرونة في الرد دون الوصول إلى مستوى التصعيد النووي.

هل يوقف الردع النووي الحرب؟

تشير المعطيات الحالية إلى أن الردع النووي، رغم أهميته، لن يكون العامل الحاسم في إنهاء الحرب. فالصراعات الإقليمية غالبًا ما تُدار تحت سقف معين يمنع الانزلاق إلى مواجهة نووية شاملة، خاصة في ظل وجود قوى كبرى تسعى لتجنب هذا السيناريو.

كما أن استخدام السلاح النووي في نزاع إقليمي قد يفتح الباب أمام فوضى عالمية، ويشجع دولًا أخرى على السعي لامتلاكه، ما يقوض نظام عدم الانتشار النووي.

السيناريوهات المحتملة

يمكن تصور عدة سيناريوهات لمستقبل الأزمة. أولها استمرار الحرب في إطار استنزاف طويل، دون تصعيد نووي. ثانيها التوصل إلى تسوية سياسية تحت ضغط دولي واقتصادي متزايد. أما السيناريو الثالث، وهو الأقل احتمالًا، فيتمثل في تحول إيران إلى قوة نووية فعلية، ما قد يغير موازين القوى بشكل جذري.

في جميع الأحوال، يبقى القرار الإيراني مرهونًا بحسابات دقيقة تتعلق ببقاء النظام، وتكلفة التصعيد، وردود الفعل الدولية.

 

في النهاية، لا يبدو أن التهديد بالردع النووي سيؤدي إلى إنهاء الحرب في المدى القريب، بل قد يزيد من تعقيدها. فبينما يمنح هذا الخيار إيران ورقة ضغط قوية، فإنه في الوقت ذاته يضعها أمام مخاطر استراتيجية كبيرة.

وعليه، فإن مستقبل الصراع سيتحدد بشكل أكبر بناءً على توازنات القوى التقليدية، والضغوط الدولية، والقدرة على إدارة الأزمة دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تتجاوز حدود المنطقة.