مضيق هرمز تحت التهديد.. تحركات دولية لإعادة تأمين الملاحة
يشهد مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية في العالم توترات غير مسبوقة، في ظل تصاعد المواجهة بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها، ما دفع الإدارة الأمريكية إلى التحرك دبلوماسياً وعسكرياً لتأمين حركة الملاحة عبر المضيق الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات الطاقة العالمية.
وطالب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حلفاء بلاده بالمشاركة في جهود دولية لإعادة فتح وتأمين المضيق، في خطوة تعكس حجم المخاوف العالمية من تعطل حركة النفط والغاز عبر هذا الشريان الحيوي الذي يربط الخليج العربي بالأسواق العالمية.
وتشير تقديرات إلى أن أي اضطراب طويل في الملاحة داخل المضيق قد يؤدي إلى تداعيات اقتصادية واسعة، تشمل ارتفاع أسعار الطاقة وتعطل سلاسل الإمداد العالمية، فضلاً عن تأثيرات محتملة على الأمن الغذائي الدولي.
لماذا أوقفت إيران الملاحة في المضيق الآن؟
لطالما اعتبر محللون إغلاق مضيق هرمز خياراً استراتيجياً أخيراً بالنسبة لإيران، نظراً لما قد يترتب عليه من تداعيات اقتصادية وعسكرية خطيرة، بما في ذلك احتمال تعرض منشآت الطاقة الإيرانية نفسها لهجمات انتقامية.
غير أن هذه المعادلة تغيرت بشكل كبير بعد الهجوم العسكري الذي استهدف إيران في 28 فبراير الماضي، والذي أدى إلى مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، وفق تقارير إعلامية.

ومنذ ذلك الحين، تصف القيادة الإيرانية الصراع بأنه حرب وجودية، بينما برز دور الحرس الثوري الإيراني بصورة أكبر في صياغة الاستراتيجية العسكرية للبلاد.
وردت إيران على الهجوم عبر استخدام طائرات مسيّرة وصواريخ وألغام بحرية، ما جعل المرور عبر المضيق محفوفاً بالمخاطر بالنسبة لناقلات النفط والغاز العملاقة التي تعبره يومياً.
ما الذي يهدده إغلاق المضيق؟
يعد مضيق هرمز الممر البحري الوحيد تقريباً لصادرات النفط والغاز من دول الخليج، إذ يمر عبره جزء كبير من إنتاج دول مثل السعودية والإمارات والكويت والعراق وقطر إلى الأسواق العالمية.
ومع تصاعد التوترات، ارتفعت أسعار النفط لفترة قصيرة إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2022، ما أثار مخاوف من موجة تضخم عالمية جديدة.
وتحذر الأمم المتحدة من أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة قد يؤدي إلى أزمة جديدة في تكاليف المعيشة، مشابهة للأزمة التي شهدها العالم بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022.
ولا تقتصر التداعيات المحتملة على قطاع الطاقة فقط، إذ قد يمتد التأثير إلى سوق الأسمدة العالمية، وهو ما قد يهدد الأمن الغذائي الدولي.
وتشير بيانات شركة كبلر للتحليلات إلى أن نحو 33% من تجارة الأسمدة في العالم، بما في ذلك الكبريت والأمونيا، تمر عبر مضيق هرمز.
كما يحذر خبراء اقتصاديون من أن استمرار الصراع قد يعيد إلى الأذهان أزمات النفط الكبرى في سبعينيات القرن الماضي، عندما أدت صدمات الطاقة في الشرق الأوسط إلى ركود اقتصادي عالمي.
لماذا يصعب تأمين المضيق؟
على الرغم من التفوق العسكري البحري للولايات المتحدة وحلفائها، فإن تأمين مضيق هرمز يمثل مهمة معقدة للغاية من الناحية العسكرية.
وتوضح شركة الوساطة البحرية
"إس.إس.واي جلوبال" أن ممرات الشحن داخل المضيق ضيقة للغاية، إذ يبلغ عرض كل ممر نحو ميلين بحريين فقط، ما يجعل السفن الكبيرة عرضة للهجمات أثناء مرورها البطيء.
كما تضطر السفن إلى المرور بالقرب من جزر إيرانية وسواحل جبلية توفر غطاءً طبيعياً للقوات الإيرانية، وهو ما يزيد من صعوبة العمليات العسكرية لتأمين الملاحة.
ويقول توم شارب، القائد السابق في البحرية الملكية البريطانية، إن البحرية الإيرانية التقليدية تعرضت لضربات كبيرة، إلا أن الحرس الثوري لا يزال يمتلك ترسانة متنوعة من الأسلحة.
وتشمل هذه الترسانة:
زوارق هجومية سريعة
غواصات صغيرة
ألغام بحرية
زوارق مائية محملة بالمتفجرات
طائرات مسيّرة هجومية
كما يشير مركز إنفورميشن ريزيليانس البحثي إلى أن إيران تمتلك القدرة على إنتاج ما يصل إلى 10 آلاف طائرة مسيّرة شهرياً.
ويرى شارب أن تأمين عبور ثلاث إلى أربع سفن يومياً عبر المضيق ممكن على المدى القصير باستخدام ما بين سبع إلى ثماني مدمرات توفر غطاءً جوياً للسفن التجارية.
لكن استمرار هذه العمليات لعدة أشهر سيتطلب موارد عسكرية ضخمة، خاصة إذا استمرت المخاطر المرتبطة بالغواصات الصغيرة والألغام البحرية.
من جهته، قال عادل بكوان، مدير المعهد الأوروبي لدراسات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إن التهديد لا يقتصر على الصواريخ والطائرات المسيرة فقط.
وأوضح أن السفن قد تظل معرضة لما وصفه بـ العمليات الانتحارية البحرية حتى في حال تدمير جزء كبير من القدرات العسكرية الإيرانية.
أما كيفن رولاندز، رئيس تحرير مجلة المعهد الملكي للخدمات المتحدة، فيرى أن استمرار الحرب لأسابيع سيجبر القوى الكبرى على توفير نظام حراسة دائم للسفن.
وأضاف:
"العالم يحتاج إلى استمرار تدفق النفط من الخليج، لذلك يجري العمل بالفعل على خطط لحماية الملاحة البحرية".
ماذا تريد الولايات المتحدة؟
أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن بلاده تجري اتصالات مع عدد من الدول لتشكيل تحالف دولي لحماية الملاحة في مضيق هرمز.
وقال ترامب إن إدارته تواصلت مع سبع دول على الأقل للمشاركة في هذه الجهود، متوقعاً إرسال سفن حربية للمساعدة في تأمين الممر البحري.
وجاءت هذه الخطوة بعد أسبوع من إصدار ترامب قراراً بتكليف مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية بتوفير خدمات تأمين وضمانات لشركات الشحن التي تعبر المنطقة.
تحركات أوروبية موازية
في أوروبا، بحث رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سبل إعادة فتح المضيق وتأمينه.
وقال رئيس الوزراء البريطاني إن المملكة المتحدة تعمل مع حلفائها على دراسة مجموعة من الخيارات العسكرية واللوجستية للتعامل مع الوضع.
وفي السياق نفسه، يناقش وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي تعزيز مهمة بحرية صغيرة موجودة بالفعل في البحر الأحمر لحماية السفن من هجمات الحوثيين في اليمن.
لكن مصادر دبلوماسية أشارت إلى أنه لا توجد خطط حالياً لتوسيع هذه المهمة لتشمل مضيق هرمز.
أما الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون فقد قال إن عدداً من الدول الأوروبية والآسيوية يدرس إطلاق مهمة بحرية مشتركة لحماية الملاحة، لكن تنفيذها قد يتم فقط بعد انتهاء الصراع الحالي.
دروس من البحر الأحمر
تجربة البحر الأحمر تقدم مثالاً على التحديات التي تواجه القوى الدولية في حماية طرق التجارة البحرية.
فقد تمكنت جماعة الحوثي اليمنية المدعومة من إيران من تعطيل جزء كبير من حركة الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب لأكثر من عامين، رغم العمليات البحرية الأمريكية والأوروبية في المنطقة.
وأجبر ذلك العديد من شركات الشحن العالمية على تغيير مساراتها والمرور عبر رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا، ما أدى إلى زيادة تكاليف النقل وارتفاع أسعار السلع.
ورغم أن بعض الشركات بدأت مؤخراً العودة تدريجياً إلى قناة السويس المصرية، فإن الوضع لا يزال هشاً.
فشركة الشحن الدنماركية "ميرسك" أعلنت أنها ستستأنف استخدام القناة بشكل تدريجي، لكنها تراقب التطورات الأمنية في المنطقة عن كثب.
وفي المقابل، نجحت مهمة بحرية يقودها الاتحاد الأوروبي في الحد من أعمال القرصنة قبالة سواحل الصومال خلال السنوات الماضية، لكن تلك العمليات كانت ضد جماعات أقل تسليحاً بكثير من الحرس الثوري الإيراني.
هل يقترب العالم من أزمة طاقة جديدة؟
مع استمرار التوترات في الخليج، يحذر خبراء الطاقة من أن إغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة قد يؤدي إلى أزمة طاقة عالمية جديدة.
فالمضيق لا يمثل فقط ممراً لنقل النفط، بل يعد شرياناً رئيسياً للتجارة العالمية في الغاز الطبيعي والمنتجات البتروكيماوية والأسمدة.
ويرى محللون أن استمرار الصراع قد يدفع الدول المستهلكة للطاقة إلى السحب من الاحتياطيات الاستراتيجية أو البحث عن مصادر بديلة، لكن هذه الحلول تبقى مؤقتة.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو الجهود الدولية لإعادة تأمين المضيق أولوية عاجلة للاقتصاد العالمي، إذ إن أي تعطّل طويل في الملاحة قد يفتح الباب أمام اضطرابات اقتصادية واسعة النطاق تمتد آثارها إلى مختلف أنحاء العالم.