د. أنمار الدروبي يكتب: العلاقة التبادلية بين الجريمة الإرهابية وجريمة غسل الأموال
ربما يكون الإرهاب أحد مصادر غسيل الأموال، وأحيانا أخرى تكون الأموال المغسولة مصدر تمويل الإرهاب.
عليه: تعد ظاهرة الإرهاب من مظاهر العنف الذي تفشت في العالم، والإرهاب ظاهرة راهنة وإن كانت تعود إلى الماضي، لكن خطورتها أصبحت شديدة في ظل العولمة، ولها تجاذبات داخلية وخارجية، عربية وإقليمية ودولية، لأن الإرهاب أصبح عالميا وهو موجود في مجتمعات متعددة ولا ينحصر في دين أو دولة أو أمة أو شعب أو ثقافة أو هوية أو منطقة جغرافية، وإن اختلفت الأسباب باختلاف الظروف والأوضاع، لكنه لا يقبل الآخر ولا يعترف بالتـنوع، ويسعى إلى فرض الرأي بالقـوة والعنف والتسيُد.
في المقابل أتاح التطور التكنلوجي في وسائل والتحويلات الالكترونية السريعة للأموال عبر القنوات المالية المختلفة، والأنظمة المصرفية القائمة على سرية الحسابات المصرفية، فرصا كبيرة أمام الممولين لممارسة نشاط غسل الأموال، حيث يتحقق هذا النشاط عن طريق سلسلة من العمليات المالية المعقدة من خلال إضفاء المشروعية على عمليات غسل الأموال. حيث يسعى الإرهابيون في سبيل نقل أموالهم إلى اتخاذ أي وسيلة من شأنها إتمام مخططاتهم، أما من خلال المؤسسات المالية والمصرفية، أو من خلال أنظمة غير مصرفية.
وبما أن جريمة غسل الأموال ظاهرة عالمية لا تقترن بالحدود الجغرافية، إذن هناك صلة وثيقة بين تمويل الإرهاب وغسل الأموال، فقد تكون الجريمة الأولية المتحصلة عنها الأموال محل غسل الأموال جريمة إرهابية، وقد تكون الأموال محل الغسل أداة لتمويل العمليات الإرهابية، بمعنى وجود علاقة تبادلية بين الجريمتين (الإرهاب وغسل الأموال). تلك العلاقة التي تعكس السلوك الإجرامي في كل من غسل الأموال وتمويل الإرهاب، حيث يقوم بشكل رئيسي على إساءة استخدام القطاع المالي والمصرفي، كقناة لنقل الأموال من دولة إلى أخرى.
في السياق ذاته، أن جريمة غسيل الأموال جريمة مركبة، من جريمة أولى فيها الحصول على الأموال بطريقة غير مشروعة، وجريمة تبعية هي نفس عملية الغسيل، يقوم فيها من يمارسها بمحاولة إخفاء مصدر الأموال التي تحصل عليها، وإدخالها في الدورة الاقتصادية، وهي جريمة تقوم أركانها بشكل عالمي، حيث تعتمد على تعدد الأماكن التي ترتكب فيها. كما أن عمليات غسل الأموال في العصر الحاضر قد غدت جذورها ضاربة في أعماق المجتمع الدولي، وتفاقمت خطورتها إلى حد كبير، فالأموال التي يتم غسلها سنويا على مستوى العالم تصل إلى أرقام مخيفة كانت ومازالت السبب في حدوث جرائم بالغة الخطورة اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وامنيا. الأمر الذي يفرض على المجتمع الدولي أهمية تعزيز أواصر التعاون القضائي والأمني على هذه الظاهرة ومحاصرتها من خلال الهيئات والمؤسسات الدولية.
وبناء على ما تقدم، ليس هناك شك على وجود علاقة بين الجريمة الإرهابية وجريمة غسل الأموال، وقد ولدت هذه الصلة مع ظهور العولمة، لاسيما أصبح من السهل الدخول إلى عالم المعلومات والتقنيات والاتصالات، وهو ما ساعد التنظيمات الإرهابية، على استغلال هذه المميزات من خلال استخدام وتوظيف المؤسسات الشرعية وغير الشرعية. وعقب احداث 11 سبتمبر اكتشفت العديد من الجهات المصرفية وجود بعض الأصول والودائع الخاصة ببعض المنظمات والهيئات المتصلة بالجماعات الإرهابية، وقامت هذه الجهات المصرفية باتخاذ تدابير كان يطلق عليها في البداية، أنها تدابير لمكافحة غسل الأموال، فحين أنها كانت تدابير ضد جريمة تمويل الإرهاب.
وخير مثال على ذلك، بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، اتهمت الولايات المتحدة الأمريكية بعض الشركات والمؤسسات التابعة لجماعة الإخوان المسلمين، مثل بنك التقوى في جزر الباهاما، وشركتي ندا إنترناشيونال للخرسانة، وشركة التقوى للإدارة في سويسرا، بتمويل تنظيم القاعدة. وفي يناير 2003م أرسلت وزارة الخزانة الأمريكيّة خطاباً إلى السلطات السويسرية ادعت فيها أن بنك التقوى وشركتي إنترناشيونال وشركة التقوى قدما خدمات استثماريةً غير مباشرة لتنظيم القاعدة حتى أواخر 2001.
على ذلك لقد استطاعت جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية على مدار ثمانين عاماً أن تصنع إمبراطورتيها الماليّة في كثير من دول العالم وتمول عملياتها الإرهابية والجماعات المتطرفة في المنطقة العربية وأوربا، عن طريق أكبر وأضخم عمليات غسيل الأموال في العالم. حيث تشعبت دوائر الإخوان في أوروبا مع إنشاء جمعيات خيرية وشركات وهمية كانت غطاء لجمع الأموال. فقد أنشأت جماعة الإخوان 23 جمعية خيرية في كل من سويسرا وبريطانيا، حيث تدير هذه الجمعيات أصولاً قيمتها تصل إلى 100 مليون جنيه استرليني، إضافة إلى ما ذكرنا أنفا (بنك التقوى) في جزر الباهاما، وشركة (ندا إنترناشيونال للخرسانة، وشركة التقوى للإدارة).
بالتالي أصبحت ظاهرة غسيل الأموال من الظواهر الخطيرة التي باتت تقلق العالم في الآونة الأخيرة، وتأتي تلك الخطورة من خلال ارتباطها بالأنشطة الإجرامية التي تولد أموالا قذرة، وتسعى هذه العمليات إلى غسلها وقطع الصلة من مصدرها الإجرامي غير المشروع.
ونظرا لضخامة الأموال المغسولة عالميا فقد استطاع غاسلو الأموال أن يتغلغلوا في النظام الاقتصادي العالمي، وأن يستغلوا قدراتهم المالية والاقتصادية لتخريب وزعزعة اقتصاديات العديد من الدول، بل تجاوز ذلك إلى دعم العديد من العمليات الإرهابية. لهذا فإن الجهود التي تبذل لمكافحة تمويل الإرهاب تدخل من ضمنها مكافحة جرائم غسل الأموال كونها أحد المصادر الرئيسية لتمويل الإرهاب.