ليبيا تفتح أبواب الطاقة.. اتفاقيات تعيدها للأسواق العالمية
في خطوة تعكس تحولاً مهماً في مسار قطاع الطاقة الليبي، وقعت المؤسسة الوطنية للنفط اتفاقيات لتقاسم الإنتاج مع عدد من كبرى شركات النفط والغاز العالمية، بعد الجولة الأولى لمنح تراخيص في البلاد منذ ما يقرب من 20 عاماً.
الخطوة تعد مؤشراً جديداً على عودة ليبيا إلى واجهة الاستثمار النفطي بعد سنوات من الاضطرابات السياسية والتحديات الأمنية التي أثرت على جاذبية القطاع.
تأتي الاتفاقات في أعقاب جولة العطاء العام التي طرحتها ليبيا في 2025، والتي منحت بموجبها المؤسسة الوطنية للنفط مناطق استكشافية لشركات أجنبية، في إطار سعي ليبيا إلى جذب الاستثمارات وزيادة طاقتها الإنتاجية إلى مليوني برميل يومياً من نحو 1.4 مليون برميل يومياً حالياً.
ولا تقتصر أهمية هذه الاتفاقيات على كونها عقوداً جديدة للتنقيب والاستكشاف، بل تمثل رسالة ثقة دولية في قدرة ليبيا على استعادة دورها كلاعب رئيسي في أسواق الطاقة الإقليمية والدولية مستفيدة من احتياطياتها الضخمة وموقعها الجغرافي القريب من الأسواق الأوروبية التي تبحث عن مصادر مستقرة للإمدادات.
وشملت الاتفاقيات شركات عالمية بارزة من بينها "ريبسول" الإسبانية بالشراكة مع "تركيا للبترول" و"إيني" الإيطالية إضافة إلى "مول غروب" المجرية وغيرها.
ما الذي تعنيه اتفاقيات تقاسم الإنتاج؟
تعتمد اتفاقيات تقاسم الإنتاج على نموذج يوزع المخاطر والعوائد بين الدولة والشركات المستثمرة إذ تتحمل الشركات الأجنبية تكاليف الاستكشاف والتطوير والمخاطر المرتبطة بالبحث عن النفط والغاز مقابل حصولها على حصة من الإنتاج في حال تحقيق اكتشافات تجارية.
وفي المقابل تحتفظ الدولة المالكة للثروة النفطية بملكية الموارد الطبيعية وتحصل على نصيبها من الإنتاج والعائدات وفقاً لشروط تعاقدية محددة تضمن الحفاظ على السيادة الوطنية على الثروات الباطنية.
ويعد هذا النموذج من أكثر الصيغ التعاقدية انتشارا في الدول المنتجة للنفط التي تسعى إلى جذب رؤوس الأموال والخبرات والتكنولوجيا الحديثة دون تحميل خزائنها العامة كلفة الاستكشاف الأولية. كما يمنح الشركات الأجنبية حافزا للدخول إلى الأسواق الواعدة التي تتطلب استثمارات كبيرة ومخاطرة مرتفعة.
وبالنسبة إلى ليبيا فإن العودة إلى هذا النموذج عبر جولة العطاء الأخيرة تعكس رغبة واضحة في إعادة تنشيط عمليات الاستكشاف التي شهدت تباطؤا خلال السنوات الماضية بسبب الانقسام السياسي والإغلاقات المتكررة للحقول والموانئ.
رسالة ثقة للأسواق
وأكد رئيس المؤسسة الوطنية للنفط، مسعود سليمان، أن توقيع اتفاقيات مقاسمة الإنتاج لجولة العطاء لعام 2025 يمثل "محطة تاريخية" في مسيرة قطاع النفط الليبي ويؤكد عودة البلاد بقوة إلى خريطة الاستثمار العالمي في مجال الطاقة.
وأضاف أن هذه الخطوة تعكس نجاح جهود المؤسسة في جذب الشركات الكبرى وتوفير بيئة استثمارية أكثر جاذبية رغم التحديات التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية.
وتحمل تصريحات سليمان أبعاداً تتجاوز الجانب الفني للعقود إذ تستهدف طمأنة الأسواق والشركاء الدوليين بأن قطاع النفط الليبي قادر على توفير قدر من الاستقرار يسمح بتنفيذ مشاريع طويلة الأجل رغم التعقيدات السياسية التي لا تزال تلقي بظلالها على المشهد العام في البلاد.
احتياطيات ضخمة وفرص واعدة
وتكتسب جولة عطاء عام 2025 أهمية خاصة بالنظر إلى مشاركة شركات تمثل مراكز ثقل في أسواق الطاقة الأوروبية والآسيوية وهو ما يعكس الاهتمام المتزايد بالفرص الاستثمارية التي توفرها ليبيا.
فبحسب البيانات الرسمية تمتلك ليبيا أكبر احتياطي نفطي مؤكد في أفريقيا وهو ما يمنحها أفضلية تنافسية مهمة في ظل تنامي الطلب العالمي على مصادر الطاقة التقليدية خلال المرحلة الانتقالية نحو الطاقة النظيفة.
كما يمنح الموقع الجغرافي لليبيا ميزة إضافية تتمثل في قربها من الأسواق الأوروبية الأمر الذي يقلل تكاليف النقل ويجعل الخام الليبي خياراً جذاباً للدول المستوردة التي تسعى إلى تنويع مصادر الإمدادات وتعزيز أمنها الطاقوي.