مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

الجزائر مرجع عربي وإقليمي.. وسوريا تتطلع لشراكة طاقوية استراتيجية

نشر
الأمصار

 في خطوة تعكس تسارع الديناميكيات العربية الرامية إلى دعم استقرار المنطقة.. أشاد وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، بالمكانة الريادية التي تحتلها الجزائر في قطاع الطاقة العالمي والإقليمي.

وأكد الشيباني، في تصريح إعلامي لقناة “الجزيرة مباشر”، أن الخبرة الطويلة التي راكمتها الجزائر على مدار عقود جعلتها نموذجاً مرجعياً ملهماً في العالم العربي والقارة الإفريقية بمجالات النفط، الغاز، والكهرباء.

الطاقة أولوية قصوى في أجندة إعادة الإعمار السورية

وفي ذات الخصوص فقد أوضح وزير الخارجية السوري أن قطاع الطاقة يمثل اليوم الأولوية الكبرى والركيزة الأساسية للسلطات السورية لتحريك عجلة التنمية الاقتصادية وإطلاق مشاريع إعادة الإعمار.

ورغم إشارته إلى تحقيق بلاده لبعض التقدم في هذا المضمار، إلا أنه شدد على حاجة دمشق الملحّة إلى شراكات فاعلة وخبرات متخصصة لتعزيز قدراتها الإنتاجية والتقنية.

وفي هذا السياق، أعرب الشيباني عن رغبة سوريا الجادة في توسيع آفاق التعاون مع الجزائر، والاستفادة من تجربتها الرائدة في مختلف فروع الصناعة الطاقوية، لاسيما في مجالات:

 استكشاف والتنقيب عن المحروقات.

 صيانة وإصلاح آبار النفط والغاز.

 تطوير وتحسين شبكات إنتاج ونقل الكهرباء.

كما أكد على أهمية نقل التكنولوجيا الحديثة والآليات المتطورة، معتبراً التعاون مع الجزائر فرصة حقيقية للاستفادة من إدارة المشاريع الطاقوية الكبرى وتطوير الحقول.

بما ينسجم مع متطلبات المرحلة الاقتصادية الجديدة في سوريا.

قراءة في التوقيت: أبعاد التقارب ومحددات البيئة الاستثمارية

تعليقاً على هذه التحركات، أكد المحلل السياسي والإستراتيجي للعلاقات الدولية، الدكتور والمحامي أمقراني محمد أدم، في تصريح لصحيفة “الجزائر الآن” الإلكترونية، بأن توقيت هذا التقارب يتجاوز الأبعاد البروتوكولية؛ فهو يمثل محاولة سورية لإعادة التموضع عربياً عبر بوابة “الطاقة” العملية.

ومسعى جزائرياً لتأكيد أن حضورها الإقليمي يرتكز على أدوات اقتصادية وتقنية ملموسة بجانب مواقفها السياسية.

وأشار الدكتور أمقراني إلى أن اللقاءات الرسمية المشتركة تؤسس لقناة تعاون منظمة لا تزال في مرحلتها التأسيسية.

حيث تبرز أهمية الجزائر في امتلاكها رصيداً دبلوماسياً متوازناً، وخبرة مؤسساتية عريقة عبر مجمع “سوناطراك”، وقدرة على مخاطبة دمشق بعيداً عن منطق الاصطفافات الحادة.

ويرى العديد من المتابعين بأن الطاقة هي المدخل الأكثر عقلانية لملف إعادة الإعمار في سوريا، لأن أي إنعاش اقتصادي مشروط بتوفر الكهرباء والمحروقات.

ورغم قدرة الجزائر على تقديم قيمة مضافة نوعية في التدريب والصيانة وتقييم الحقول، إلا أن الواقعية تقتضي عدم المبالغة؛ فالسوق السورية تواجه تعقيدات التمويل وتراكمات الحرب، بجانب حساسية ملف العقوبات الدولية.” د. أمقراني محمد أدم

ونبّه الدكتور أمقراني إلى أنه بالرغم من الانفراجات المهمة في ملف العقوبات (مثل تعليق الاتحاد الأوروبي لبعض القيود الطاقوية والمصرفية في فبراير 2025.

وإزالة الولايات المتحدة للعقوبات الشاملة في يوليو 2025 مع الإبقاء على عقوبات مستهدفة)، فإن أي تعاون جزائري سوري سيتطلب هندسة قانونية ومالية دقيقة وفحصاً مسبقاً للامتثال الدولي.

توازنات النفوذ والدبلوماسية الاقتصادية الجديدة للجزائر

من المستبعد جيوسياسياً أن تزاحم الجزائر القوى الدولية المتواجدة حالياً في الساحة السورية مثل روسيا أو إيران؛ إذ يرى الدكتور أمقراني أن دمشق تبحث عن “توسيع هامش المناورة” والاستفادة من الدور الجزائري التقني والمؤسسي كونه دوراً يحظى بشرعية الخبرة وأقل استفزازاً للأطراف الإقليمية. ويتوقف تحول هذا المسار إلى حضور استراتيجي واسع على ثلاثة شروط أساسية:

1. تحقيق استقرار سياسي وقانوني أكبر داخل سوريا.

2. توفر ضمانات دولية أوسع بشأن العقوبات والتمويل.

3. تحويل مذكرات التفاهم العفوية إلى عقود تجارية قابلة للتنفيذ.

أما من المنظور الجزائري، فإن هذا التقارب يتخطى البعد التضامني التقليدي إلى آفاق الدبلوماسية الاقتصادية؛ فالجزائر تسعى لترسيخ صورتها كقوة طاقوية قادرة على تصدير “المعرفة والخبرة” وليس الغاز فقط، متسلحة بخطتها الاستثمارية الطموحة بقيمة 60 مليار دولار 2025 – 2029 في مجالات النفط والغاز والهيدروجين، ومستندة إلى شراكتها الاستراتيجية مع الاتحاد الأوروبي كمورد موثوق وطاقة محورية في حوض المتوسط.

الجزائر كفاعل محوري في الخريطة الطاقوية العالمية

إن هذا التقارب السوري الجزائري لا يمثل مجرد حدث عابر، بل هو مؤشر على مرحلة عربية جديدة تصيغها لغة المصالح المشتركة والواقعية السياسية.

فبينما تسعى دمشق للخروج التدريجي من عزلتها الاقتصادية عبر بوابة الطاقة، تبرز الجزائر كفاعل محوري بارز ومؤثر في الخريطة الطاقوية العالمية.

إن قدرة الجزائر على تحويل رصيدها الدبلوماسي والتاريخي، مدعومة بمؤشراتها الطاقوية القوية وقدراتها الاستثمارية الضخمة، تؤهلها للعب دور القطب الاستراتيجي القادر على إدارة التوازنات في حوض المتوسط والشرق الأوسط.

وسيكون نجاح هذا المسار رهناً بالقدرة على صياغة تعاون تقني مرن يحترم قواعد الامتثال الدولي، ليقدم إضافة عملية لإعادة بناء الدولة والاقتصاد، ويكرس مكانة الجزائر كصمام أمان للأمن الطاقوي والتنموي الإقليمي.