تسمم نفوق الإبل يثير مخاوف بيئية شرق السودان.. تفاصيل
أثارت حوادث نفوق الإبل والمواشي في منطقة درديب بولاية البحر الأحمر السودانية حالة من القلق الواسع، بعد تقارير تحدثت عن تلوث بيئي خطير مرتبط بأنشطة التعدين الأهلي واستخدام مواد كيميائية شديدة السمية في عمليات استخراج الذهب.
وكشف عدد من أصحاب الماشية في المنطقة عن تعرض قطعان من الإبل للتسمم بعد شربها من مصادر مياه ملوثة بمخلفات التعدين، في ظل تنامي المخاوف من تفاقم الأزمة البيئية وتأثيرها على الإنسان والحيوان والموارد الطبيعية في شرق السودان.
ووفق تقرير رسمي صادر عن الممرض البيطري السوداني أوشيك محمود أوشيك، فإن إحدى النوق النافقة عُثر عليها بالقرب من طواحين التعدين في منطقة أوقيت التابعة لمحلية درديب، مع ترجيحات بأنها شربت من أحواض مفتوحة تحتوي على مخلفات ناتجة عن عمليات غسل مخلفات التعدين واستخلاص الذهب.
وأشار التقرير إلى أن التحلل الذي أصاب جثة الناقة حال دون الوصول إلى نتائج دقيقة وحاسمة بشأن سبب النفوق، إلا أن المؤشرات الأولية ترجح تعرضها لتسمم ناتج عن مواد كيميائية مستخدمة في التعدين الأهلي.
من جانبه، قال الباحث السوداني أبو فاطمة أونور إن الحادثة دفعت أصحاب الإبل لاتخاذ إجراءات قانونية، معتبرًا أن نفوق الإبل يمثل مؤشرًا بالغ الخطورة، نظرًا لقدرة هذا النوع من الحيوانات على تحمل الظروف القاسية والبيئات الصعبة، ما يعني أن تركيز السموم بلغ مستويات مرتفعة للغاية.
وأوضح أن مناطق البحر الأحمر وشرق السودان تشهد توسعًا كبيرًا في عمليات التعدين الأهلي، خاصة تعدين الذهب، وسط ضعف الالتزام بالاشتراطات البيئية والصحية، وغياب وسائل الحماية الكافية لمنع وصول الحيوانات إلى الأحواض والمخلفات الملوثة.
بدوره، وصف الخبير البيئي السوداني الدكتور جعفر أوهاج ما جرى في درديب بأنه “جريمة بيئية مكتملة الأركان”، مؤكدًا أن استخدام مادتي الزئبق والسيانيد في التعدين الأهلي يمثل تهديدًا مباشرًا للحياة والبيئة.
وأوضح أن الزئبق والسيانيد من أخطر المواد الكيميائية المستخدمة في فصل الذهب عن الصخور، حيث يتسبب الزئبق في تلوث التربة والمياه لفترات طويلة، بينما يؤدي السيانيد إلى حالات تسمم حادة قد تسبب الشلل أو الوفاة خلال وقت قصير.
وأضاف الخبير البيئي أن السودان يشهد انتشارًا واسعًا لمخلفات التعدين، مشيرًا إلى أن عمليات التعدين الأهلي تخلف مئات الآلاف من الأطنان من النفايات الملوثة التي تتحول إلى مصدر تهديد دائم للمياه الجوفية والمراعي الزراعية.
وأكد أن التأثيرات لا تقتصر على نفوق الحيوانات فقط، بل تمتد إلى ظهور أمراض خطيرة وتشوهات خلقية لدى البشر والحيوانات، إلى جانب تضرر الأراضي الزراعية والمراعي التي يعتمد عليها السكان المحليون كمصدر رئيسي للعيش.
وأشار الباحثون إلى أن الطبيعة الجغرافية لمنطقة درديب، التي تضم مرتفعات جبلية وأودية، تزيد من خطورة الأزمة، حيث تنقل مياه الأمطار المواد السامة إلى الوديان والمياه الجوفية المستخدمة للشرب والزراعة.

كما كشف مراقبون عن وقوع حوادث مشابهة في المنطقة خلال السنوات الماضية، بينها نفوق أعداد من الأغنام بسبب التلوث ذاته، ما أدى حينها إلى احتجاجات شعبية وإزالة بعض الأحواض الملوثة.
واتهم خبراء البيئة السلطات السودانية بالتقصير في تنفيذ القوانين الخاصة بحماية البيئة وتنظيم التعدين، رغم وجود تشريعات تمنع استخدام بعض المواد السامة منذ سنوات، مؤكدين أن غياب الرقابة الفعلية سمح باستمرار الانتهاكات البيئية دون محاسبة.
وفي المقابل، دعا مختصون إلى اتخاذ إجراءات عاجلة تشمل نقل مواقع التعدين بعيدًا عن مصادر المياه والمراعي، وتشديد الرقابة على استخدام المواد الكيميائية، وإلزام شركات التعدين بنشر تقارير دورية حول إدارة النفايات والتلوث البيئي.
كما طالبوا بضرورة تنفيذ عمليات تطهير عاجلة للمناطق المتضررة، وتعويض الأهالي وأصحاب الماشية عن الخسائر التي لحقت بهم، مع رفع مستوى الوعي البيئي داخل المجتمعات المحلية للحد من مخاطر التعدين العشوائي.
ويرى خبراء أن استمرار التعدين دون ضوابط بيئية صارمة قد يهدد مستقبل الثروة الحيوانية والزراعية في شرق السودان، خاصة مع تزايد الاعتماد على التعدين الأهلي كمصدر دخل في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد.