د. أنمار الدروبي يكتب: لقد ولد هذا العالم عندما انهار جدار برلين؟
لقد ولد هذا العالم عندما انهار سور برلين عام 1989، من كتاب (السيارة ليكساس وشجرة الزيتون: محاولة لفهم العولمة) للكاتب والصحفي الأمريكي توماس فريدمان. الذي يتحدث فيه الكاتب عن أهمية الولايات المتحدة الأمريكية وتأثيرها تاريخيا على النظام السياسي الدولي والعلاقات الدولية وصولا إلى حقبة العولمة.
لاسيما أن الولايات المتحدة الأمريكية إما كانت معزولة ومبتعدة عن الشؤون العالمية أو إما إنها أجبرت على الدخول بعمق في العالم لردع قوة عدوانية تهدد العالم وبحسب رأي الكاتب.
ثم يتطرق الكاتب إلى العلاقة ما بين العولمة والرأسمالية، وتحديدا حقبة العولمة الأولى والرأسمالية المالية العالمية التي تفتت ماديا وعقائديا بفعل الضربات المتتالية بعد الحرب العالمية الأولى، والثورة الروسية، والكساد العظيم.
وعلى الرغم من وجود أوجه تشابه كثيرة في النوعية بين الحقبة السابقة من العولمة والحقبة التي نعيشها الآن، فإن الجديد اليوم هو مدى وكثافة الرابطة التي تربط العالم ببعضه في سوق عالمية واحدة.
1. نظام العولمة عملية ديناميكية:
أول كل شيء أن نظام العولمة، على عكس نظام الحرب الباردة، أي أنه ليس نظاما جامدا، لكنه عملية ديناميكية مستمرة، بمعنى آخر أن العولمة نظام ينطوي على التكامل الصارم في الأسواق، وفي الدول، وفي التكنولوجيات إلى درجة تمكن الأفراد والشركات والدول من التواصل مع العالم بطريقة أسرع وأعمق وأرخص من أي وقت مضى. عليه فإن الفكرة الدافعة وراء العولمة هي رأسمالية السوق الحرية، فكلما انفتحت على العالم اقتصاديا من خلال التجارة الحرة والمنافسة، أصبح اقتصادك أكثر كفاءة وازدهارا.
2. العولمة على عكس نظام الحرب الباردة:
العولمة لها ثقافتها الخاصة بها، تلك الثقافة التي تميل نحو إيجاد التجانس الثقافي في الحقب السابقة على نطاق إقليمي، على سبيل المثال لا الحصر كما حدث بين الهيلينية في الشرق الأدنى وحوض البحر المتوسط تحت حكم الأغريق، وكما حدث بين آسيا الوسطى وشمال أفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط تحت الحكم العثماني، أو التأثير الروسي في شرق أوروبا ووسطها وأجزاء من آسيا الأوروبية في ظل الاتحاد السوفيتي.
3. العولمة والتكنلوجيا:
لقد ساعدت التكنلوجيا على إيجاد المنظور الذي يحدد العولمة، فإذا كان المنظور الذي يحدد عالم الحرب الباردة هو (الانقسام) فالمنظور الذي يحدد العولمة هو التكامل، لاسيما كان الرمز لنظام الحرب الباردة هو السور الذي يقسم الجميع، أما رمز نظام العولمة فهو شبكة الانترنت العالمية التي توحد بين الجميع. حيث كانت الوثيقة التي تحدد نظام الحرب الباردة هي (المعاهدة) أما الوثيقة التي تحدد نظام العولمة هي (الصفقة).
ولئن كان المقياس التي تُعرف به الحرب الباردة هو الثقل ولاسيما ثقل قذف الصواريخ، إلا أن المقياس الذي يُعرف به نظام العولمة هو السرعة، سرعة التجارة والسفر والاتصال والابتكار. فالحرب الباردة كانت تتعلق بمعادلة الكتلة والطاقة لأينشتاين. أما العولمة فتتعلق بقانون مور، فالحرب الباردة، كان السؤال الأكثر ترديدا هو: ما مدى ضخامة صاروخك؟ أما العولمة، فالسؤال الأكثر ترديدا هو: ما مدى سرعة المودم لديك؟
4. العولمة وعلاقتها بالرأسمالية والاشتراكية والديمقراطية:
حاول كارل ماركس ترويض الرأسمالية بطريقته الخاصة، في السياق ذاته لقد عبر (شومبيتر) وزير المالية النمساوي السابق والأستاذ بكلية الأعمال في جامعة هارفرد عن وجهة نظره في كتابه الكلاسيكي (الرأسمالية والاشتراكية والديمقراطية) ومؤداها أن جوهر الرأسمالية هو عملية التدمير الخلاق، أي دورة دائمة في تدمير المنتج.
بالمقابل هناك اتجاه آخر يرى أنه لسوف يُكتب الازدهار في عصر العولمة لتلك الدول التي سترغب أكثر من غيرها في السماح للرأسمالية بالقضاء فورا على الشركات المتعثرة بحيث يستطيع المال أن يتحرر ويوجه إلى الشركات الأكثر ابتكارا.
ولئن كان القلق الذي تُعرف به الحرب الباردة هو الخوف من الفناء على يد عدو في ظل صراع عالمي محدد وثابت، فإن القلق الذي تُعرف به العولمة هو الخوف من ذلك التغير السريع من عدو لا تستطيع أن تراه أو تلمسه أو تحسه، وهو إحساس بأن وظيفتك أو المجتمع الذي تعيش فيه أو مكان العمل يمكن أن يتغير في أي لحظة بفعل قوى اقتصادية أو تكنلوجية مجهولة.
وبناءً على ما تقدم، فإن العولمة لها هيكل القوة الذي تُعرف به، والذي يتميز بأنه أكثر تركيبا من هيكل الحرب الباردة. فقد اقتصر بناء نظام الحرب الباردة على الدول الأمم وتحقق له التوازن عند المركز بالقوتين العظميين، الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي.
أما نظام العولمة فهو على العكس قائم على ثلاثة توازنات تتداخل مع بعضها بعض وتؤثر في بعضها بعض. التوازن الأول يتمثل في التوان التقليدي بين الدول الأمم. والتوازن الثاني هو التوازن بين الدول الأمم والأسواق العالمية.
أما التوازن الثالث وهو التوازن الأهم والأحدث على الإطلاق في نظام العولمة هو التوازن بين الأفراد والدول الأمم.