حرب إيران.. كيف انعكست الضربات العسكرية على السياسة والأمن الداخلي الإسرائيلي؟
مع دخول الحرب التي تشنها إسرائيل والولايات المتحدة ضد إيران أسبوعها الثالث، تتضح أبعاد الصراع العسكري والسياسي والاستخباراتي، الذي امتد إلى عدة دول في المنطقة، وأصبح له انعكاسات مباشرة على السياسة الداخلية الإسرائيلية، وعلى الاستقرار الإقليمي، وعلى الاقتصاد العالمي.
وبينما تصف إسرائيل العمليات العسكرية بأنها تهدف إلى حماية أمنها ومنع تطوير إيران للصواريخ والمنظومات النووية، ترى إيران وحلفاؤها في حزب الله هذه الحرب تحديًا لسيادتهم ووجودهم العسكري، ما يجعل الصراع مستمرًا ومعقدًا على أكثر من جبهة.
نتنياهو وتعزيز شعبيته خلال الحرب

أظهر استطلاع نشرته صحيفة معاريف يوم الجمعة أن حرب إيران دفعت بشعبية حزب الليكود بقيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى الارتفاع. وفق الاستطلاع، ارتفع عدد المقاعد المتوقع للليكود في الكنيست إلى 28 مقعدًا، مقارنة بالاستطلاعات السابقة، وزيادة بمقعدين عن مستوى الحزب قبل اندلاع الحرب.
في المقابل، شهدت أحزاب المعارضة مثل "عوتسما يهوديت" و"يشار!" تراجعًا في الدعم الشعبي، بينما عوضت بعض الأحزاب الأخرى خسائرها، مثل حزب "إسرائيل بيتنا" الذي ارتفع مقعدان إلى 10، و"يش عتيد" بمقعد واحد إلى 8 مقاعد.
هذا التغير يعكس توجهًا شعبيًا إسرائيليًا إلى دعم القيادة الحاكمة خلال الأزمات العسكرية، خصوصًا في ظل الإحساس بالحاجة لقرارات حاسمة ضد تهديد خارجي كبير.
الأمن الداخلي: شعور متفاوت بين المواطنين
أظهر الاستطلاع أن 43% من الإسرائيليين يشعرون بدرجة عالية من الأمن الشخصي، مقابل 37% يعتبرونه معقولًا، و20% شعروا بأنهم معرضون للخطر.
المناطق الشمالية وحيفا سجلت مستويات أقل من الأمن، إذ أعرب 33% فقط عن شعورهم بالأمن العالي، فيما قال 30% إن شعورهم منخفض.
هذا التباين يعكس القلق المتزايد بين السكان القريبين من الحدود مع لبنان وسوريا، حيث يشكل حزب الله تهديدًا دائمًا، ويزيد من تعقيد الاستجابة الإسرائيلية لأي تصعيد.
الصراع العسكري: إسرائيل ضد إيران وحزب الله
الحرب لم تقتصر على المجال السياسي بل امتدت إلى الضربات الجوية والاستهداف المباشر للبنية التحتية الإيرانية.
إسرائيل أعلنت مقتل قيادات إيرانية بارزة، بما في ذلك المتحدث باسم الحرس الثوري علي محمد نائيني، في غارات مشتركة مع الولايات المتحدة، فيما تؤكد طهران استمرارها في إنتاج الصواريخ والباليستيات.
الضربات الإسرائيلية لم تقتصر على إيران، بل شملت مواقع في جنوب سوريا ردا على هجمات مزعومة استهدفت المدنيين الدروز في السويداء، كما تواصل تل أبيب مراقبة الوضع لضمان حماية حلفائها المحليين ومنع أي تمدد عسكري لحزب الله عبر الحدود السورية.
حزب الله، من جانبه، يحاول فتح جبهات جديدة ضد إسرائيل، مستغلاً ضعف بعض المناطق الحدودية، وإظهار قوته العسكرية في مواجهة الضربات الإسرائيلية، ما يزيد من تعقيد الصراع ويحول الحرب إلى مواجهة إقليمية أكبر.
وأضافت الحرب بعدًا جديدًا للصراع، يتمثل في الحرب الاستخباراتية، حيث وجهت السلطات الإسرائيلية اتهامات لجندي احتياط كان يخدم في منظومة الدفاع الجوي "القبة الحديدية" بتسريب معلومات حساسة لإيران مقابل مبالغ مالية.
وهذه القضية تظهر محاولات إيران المستمرة لتجنيد عملاء داخل إسرائيل، بما في ذلك عناصر أمن حاليين وسابقين، وتكشف عن دور التجسس وحرب المعلومات كأدوات استراتيجية في هذا النزاع، إلى جانب العمليات العسكرية التقليدية.
الأبعاد الاقتصادية لحرب إيران
أدت الحرب إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز عالميًا، وتهديد خطوط الإمداد في مضيق هرمز الاستراتيجي، ما أجبر الدول الكبرى على التحرك لتأمين الملاحة والطاقة.
الدول الأوروبية واليابان أعلنت استعدادها للمساهمة في تأمين المضيق، إلا أن هذه الجهود مشروطة بوقف الأعمال العدائية، ما يوضح مدى تأثير النزاع على الاقتصاد العالمي.
في الإمارات، كشف جهاز أمن الدولة عن تفكيك شبكة إرهابية مرتبطة بحزب الله وإيران، تعمل تحت غطاء تجاري بهدف غسل الأموال وتمويل الإرهاب، ما يعكس امتداد تأثير الحرب إلى الاستقرار المالي والأمني للدول الخليجية.
السياسة الداخلية الإسرائيلية: موازنة بين الحرب والشعب
تظهر استطلاعات الرأي أن الحرب أعادت ترتيب الأولويات في السياسة الإسرائيلية، حيث يركز المواطنون على الأمن والقدرة على حماية الدولة، أكثر من أي اعتبارات حزبية.
ويعتبر دعم نتنياهو للحملة العسكرية ضد إيران وحزب الله مؤشرًا على محاولة الحكومة تعزيز موقفها الداخلي عبر الملف الأمني، بينما يواجه خصومه تحديًا في تقديم بدائل مقنعة خلال حالة الحرب.
الحرب الإسرائيلية-الإيرانية ليست مجرد نزاع بين دولتين، بل أصبحت اختبارًا للإقليم والعالم. الولايات المتحدة تحاول قيادة الجهود لتأمين هرمز، بينما الدول الأوروبية تسعى إلى الوساطة وضبط التصعيد.
روسيا، بدورها، عرضت استخدام نفوذها السياسي لتهدئة الصراع، في حين تتصاعد الضغوط الاقتصادية والسياسية على إيران وحلفائها، ما يزيد من احتمالات استمرار النزاع على المدى الطويل، خصوصًا مع وجود مصالح دولية كبيرة في المنطقة.
حرب إيران لم تعد مجرد مواجهة عسكرية، بل أصبحت صراعًا متعدد الأبعاد: سياسي داخلي، أمني، استخباراتي، واقتصادي، وإقليمي.
بينما تعزز العمليات العسكرية شعبية نتنياهو داخليًا، وتؤثر على توازن القوى في الكنيست، تظهر تحديات كبيرة للأمن الداخلي الإسرائيلي، وتوسع للتهديدات من حزب الله وسوريا، بالإضافة إلى انعكاسات على الاقتصاد الإقليمي والعالمي.
ويبقى السؤال الأكبر: هل ستنجح إسرائيل وحلفاؤها في تحقيق أهداف الحرب، أم أن استمرار الصراع سيزيد من عدم الاستقرار في الشرق الأوسط، ويحول النزاع إلى مواجهة طويلة الأمد متعددة الجبهات؟