كيف حظرت المسيّرات البحرية الأوكرانية البحر الأسود على الأسطول الروسي؟
منذ ربيع عام 2024، شهد البحر الأسود تحولاً دراماتيكياً في ميزان القوى البحري بين موسكو وكييف. فبعد سنوات من التفوق الروسي التقليدي، تمكنت أوكرانيا من فرض واقع عملياتي جديد عبر استخدام مسيّرات بحرية غير مأهولة حملت اسم «ماغورا»، لتصبح أداة ردع فعّالة أجبرت السفن الروسية على تقليص تحركاتها والبقاء في الموانئ لفترات طويلة.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية، فإن وحدة بحرية شديدة السرية تابعة للاستخبارات العسكرية الأوكرانية تقود هذا التحول، بقيادة ضابط يحمل الاسم الحركي «13». ويؤكد الضابط أن الهدف لم يكن السيطرة الكاملة على البحر، بل تحويله إلى مساحة نزاع دائم تُقيّد حرية حركة الخصم وتفرض عليه حسابات جديدة في كل تحرك.
استهداف سفن بارزة قرب القرم
شكّلت الضربات التي استهدفت سفناً روسية قرب جسر القرم نقطة التحول الأساسية في المواجهة البحرية. فمنذ تلك العمليات، بدأ الأسطول الروسي في البحر الأسود تقليص نشاطه، مكتفياً بطلعات قصيرة لإطلاق الصواريخ قبل العودة سريعاً إلى قواعده.
هذا التغيير التكتيكي يعكس إدراكاً روسياً بأن المخاطر لم تعد تقليدية، إذ لم يعد التهديد يقتصر على صواريخ ساحلية أو طائرات مسيّرة جوية، بل بات يأتي من زوارق صغيرة غير مأهولة يصعب رصدها وتدميرها في الوقت المناسب.
تكتيك «السرب» والخداع البحري
تعتمد مسيّرات «ماغورا» على مبدأ العمل ضمن أسراب، حيث يؤدي بعضها دور الطُعم لجذب النيران وتشتيت الدفاعات، بينما تتقدم أخرى نحو الهدف الأساسي. هذا الأسلوب يرهق أنظمة الدفاع ويخلق حالة من الإرباك التكتيكي، خاصة عندما يتم إطلاق عدد كبير من الزوارق في وقت متزامن.
ووفق الضابط «13»، تمكنت الوحدة من إصابة أو تدمير ما لا يقل عن 17 هدفاً بحرياً، بينها سفن إنزال وكورفيتات صاروخية. ورغم عدم توفر تحقق مستقل من كل الأرقام المعلنة، فإن المؤكد أن التأثير النفسي والعملياتي كان كبيراً بما يكفي لإجبار موسكو على إعادة تقييم انتشارها البحري.
من البحر إلى السماء.. إسقاط مروحيات ومقاتلة
لم يتوقف تأثير المسيّرات البحرية عند حدود استهداف السفن. ففي 31 ديسمبر 2024، أسقط سرب من «ماغورا» مروحيتين حربيتين روسيتين وأصاب ثالثة، وفق تقرير «لوموند». وبعد أشهر، في 2 مايو 2025، أُعلن عن إسقاط مقاتلة «سوخوي» بصواريخ أُطلقت من منصة بحرية غير مأهولة.
هذا التطور نقل المواجهة إلى مستوى جديد، إذ باتت المسيّرات البحرية قادرة على تهديد الأهداف الجوية المنخفضة الارتفاع، ما وسّع نطاق «المنع» من البحر إلى السماء. ويقول الضابط «13» إن الروس اعتادوا التحليق على ارتفاعات منخفضة قرب المسيّرات بعد تطوير وسائل تشويش فعّالة، لكن تزويد بعض النسخ بصواريخ غيّر المعادلة بالكامل.
حرب تشويش وتطوير مضاد
في المقابل، لم تقف موسكو مكتوفة الأيدي. فقد لجأت إلى مطاردة المسيّرات عبر الطائرات البحرية واستخدام المدافع الرشاشة وحتى القنابل لإغراقها. كما عززت وسائل التشويش الإلكتروني لإرباك أنظمة الملاحة والتوجيه.
إلا أن صغر حجم «ماغورا» وانخفاض بصمتها الرادارية، بفضل استخدام مواد مركبة، يجعلان اكتشافها واستهدافها مهمة معقدة. ويقر الضابط الأوكراني بأن التحدي الأكبر قد يأتي من المسيّرات التكتيكية بعيدة المدى، مثل بعض طرازات «بيرقدار» التركية، متوقعاً أن تشهد المرحلة المقبلة مواجهات مباشرة بين زوارق غير مأهولة من الطرفين.
تكلفة منخفضة وتأثير مرتفع
تُقدّر تكلفة المسيّرة البحرية الواحدة بأقل من 300 ألف يورو، وهو مبلغ زهيد مقارنة بثمن سفينة حربية أو حتى مروحية قتالية. هذه المعادلة الاقتصادية تمنح أوكرانيا أفضلية نسبية، إذ يمكنها المخاطرة بعدد كبير من المسيّرات لتحقيق إصابة نوعية واحدة.
لكن قائد الوحدة يؤكد أن هذه التكنولوجيا لن تُلغي دور الأساطيل التقليدية بالكامل، بل ستنتزع تدريجياً بعض وظائفها، تماماً كما لم تُنهِ الطائرات المسيّرة عصر المقاتلات المأهولة. فالسفن الكبيرة ستظل ضرورية للسيطرة البحرية بعيدة المدى، غير أن حريتها في العمل باتت أكثر تقييداً.
البحر الأسود كمختبر لمستقبل القتال البحري
أصبح البحر الأسود مختبراً حياً لمستقبل الحرب البحرية، تتابعه بحريات العالم باهتمام بالغ. فالتجربة الأوكرانية تُظهر كيف يمكن لدولة لا تمتلك أسطولاً تقليدياً ضخماً أن تُحدث تأثيراً استراتيجياً عبر الابتكار التكنولوجي والتكتيكات غير المتناظرة.
كما أن طبيعة الصراع في البحر الأسود، المحاط بسواحل متعددة وتحت مراقبة كثيفة، تجعل منه بيئة مثالية لاختبار أنظمة غير مأهولة في ظروف حقيقية. وهذا ما يدفع خبراء عسكريين إلى توقع تسارع سباق التسلح في مجال الزوارق المسيّرة وأنظمة الدفاع المضادة لها.
هدوء إعلامي وتحضيرات لمفاجآت
رغم تراجع وتيرة الإعلان عن عمليات جديدة في الأشهر الأخيرة، يلمّح الضابط «13» إلى أن الهدوء لا يعني التوقف. بل يؤكد أن الوحدة تخطط لـ«مفاجآت أخرى»، في إشارة إلى استمرار تطوير القدرات الهجومية وربما إدخال تحسينات تقنية جديدة.
هذا التصريح يعكس طبيعة الصراع المتسارع، حيث يتقدم الابتكار بخطوات سريعة، ويضطر كل طرف إلى التكيف المستمر مع تكتيكات خصمه. وفي ظل استمرار الحرب الروسية الأوكرانية، يبدو أن البحر الأسود سيظل مسرحاً مفتوحاً للمفاجآت.
معادلة ردع جديدة
في المحصلة، لم تتمكن أوكرانيا من فرض سيطرة بحرية كاملة، لكنها نجحت في تحقيق هدف أكثر واقعية: تحويل البحر الأسود إلى منطقة متنازع عليها تُقيّد تحركات الأسطول الروسي وتفرض عليه كلفة إضافية لكل عملية.
هذه المعادلة الجديدة تعكس تحولاً أعمق في طبيعة الحروب الحديثة، حيث يمكن للتكنولوجيا منخفضة الكلفة والمرتفعة الدقة أن تعيد رسم حدود النفوذ البحري. وبينما تواصل كييف وموسكو اختبار قدراتهما في هذا الميدان، يبقى البحر الأسود شاهداً على ولادة نمط جديد من الصراع البحري، قد يرسم ملامح الحروب القادمة.