استقلالية الجامعات التونسية على المحك بمبادرة تشريعية جديدة
كتب الصحفي فاهم بوكدوس مقالًا تحليليًا موسعًا حول استقلالية الجامعة التونسية، مشيرًا إلى أن مبادرة تشريعية قدمت مؤخرًا لمجلس نواب الشعب التونسي قد تُعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمؤسسات الأكاديمية في البلاد.

وأحال مكتب المجلس مشروع قانون إلى لجنة التربية والتكوين المهني والبحث العلمي والشباب والرياضة، يقترح إلغاء آلية انتخاب رؤساء الجامعات واستبدالها بآلية تعيين إداري، وهو ما يُعد تحولًا نوعيًا في منطق تنظيم التعليم العالي في تونس. بحسب فاهم بوكدوس، لا يمكن فهم هذه الخطوة إلا في إطار السياق السياسي والمؤسساتي الذي تعيشه البلاد، حيث يثير المشروع جدلًا حول مدى استقلالية الجامعات وقدرتها على ممارسة دورها النقدي والعلمي دون تدخل سياسي.
يشير المقال إلى أن التجارب المقارنة في أوروبا تؤكد على أهمية الانتخابات أو الآليات التشاركية لضمان الاستقلالية الجامعية. ففي فرنسا، على سبيل المثال، يُنتخب رئيس الجامعة من قبل مجلس إداري تمثيلي يضم أساتذة وباحثين وطلابًا وإداريين، مع عرض مشاريع إدارة الجامعة ومناقشتها علنًا.
وفي إسبانيا، ينص القانون على انتخاب الرؤساء من داخل الجماعة الجامعية، مع أولوية للأساتذة الباحثين، وهو ما حافظ على هامش استقلال فعلي للجامعات. أما في إيطاليا، فيُشترط انتخاب الرئيس وفق معايير صارمة تتعلق بالكفاءة العلمية والخبرة الإدارية، مع مدة ولاية محددة.
يحذر فاهم بوكدوس من أن اعتماد التعيين المركزي في تونس قد يؤدي إلى تراجع الثقة داخل الجامعة، ويحول المؤسسة إلى فضاء امتثال بدل أن تكون فضاءً للنقد والبحث.
كما يشير إلى أن إلغاء الانتخابات قد يفتح الطريق لتوسيع التعيين على بقية هياكل التعليم العالي، مثل عمداء الكليات ومديري المعاهد، وهو ما قد يضعف الشرعية الداخلية للمؤسسات ويحد من استقلاليتها الأكاديمية.
ويؤكد المقال أن المشروع التشريعي يأتي في وقت تتقلص فيه الآليات الديمقراطية وتضعف مشاركة الأجسام الوسيطة، مما يجعل النقاش حول انتخاب رؤساء الجامعات جزءًا من نقاش أوسع حول طبيعة الدولة وموقع الجامعة فيها: هل يُراد لها أن تكون فضاءً مستقلًا وعموميًا، أم مجرد جهاز إداري خاضع للقرار المركزي؟ حسب فاهم بوكدوس، الدفاع عن حق الانتخابات في الجامعات هو دفاع عن آخر معاقل المشاركة والشرعية الداخلية في تونس.
يشدد المقال على أن القضية ليست مجرد مسألة صياغة قانونية، بل تتعلق بمستقبل التعليم العالي واستقلاليته وقدرة الجامعات التونسية على لعب دورها النقدي والعلمي في المجتمع، بما يضمن إنتاج المعرفة بحرية ومساءلة. أي مسار نحو التعيين المركزي دون انتخابات قد يغير طبيعة الجامعة ككل ويؤثر على حوكمة التعليم العالي في تونس.