مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

الإخوان وإيران في المشهد السوداني.. تحالفات خفية تعمّق الصراع وتوسّع دوائر عدم الاستقرار

نشر
البرهان و بزشكيان
البرهان و بزشكيان

تشهد السودان أزمة مركبة تمثل اختبارًا حقيقيًا لمستقبل الاستقرار في أفريقيا، إذ لا يقتصر الصراع على مواجهة عسكرية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ أبريل 2023، بل يتعمق ليكشف عن شبكة معقدة من التحالفات الإقليمية والأيديولوجية.

و تُظهر الأحداث الحالية كيف أن جماعة الإخوان المسلمين، بدعم مباشر أو غير مباشر من إيران، تلعب دورًا أساسيًا في المشهد السوداني، وهو ما يضع القارة الأفريقية أمام تحديات استراتيجية كبيرة.

يعتمد الصراع في السودان على تداخل عدة مستويات؛ أولها البنية العسكرية المباشرة، حيث اندمجت تشكيلات مسلحة مرتبطة بالإخوان داخل الجيش السوداني، بما في ذلك ضباط استخبارات سابقون ومسلحون شاركوا في نزاعات سابقة، وتم تنظيمهم في وحدات مثل كتيبة البراء بن مالك، بالإضافة إلى مجموعات مثل «درع الوطن» و«درع الشمال». 

وقد تلقت هذه الميليشيات دعمًا بالسلاح والتمويل عبر قنوات رسمية، مما أدى إلى ضبابية واضحة بين القوات النظامية والعقائدية.

على الصعيد السياسي والإعلامي، لعبت القوى المرتبطة بالإخوان دورًا محوريًا في تعطيل محاولات التهدئة، وإفشال مسارات التفاوض، ونزع الشرعية عن البدائل المدنية. 

وقد تم تصوير الحرب ضمن خطاب تعبوي يصفها بمعركة وجود ضد «عملاء الخارج» و«أعداء الدين»، ما أتاح للجماعة إعادة بناء صورتها كشريك أساسي في «الدفاع الوطني»، خصوصًا عبر هياكل «المقاومة الشعبية» التي حظيت بغطاء رسمي بعد تفكيك حزب المؤتمر الوطني الحاكم سابقًا.

التاريخ السوداني يشير إلى أن هذا النمط ليس جديدًا؛ ففي التسعينيات استضافت الخرطوم قيادات تنظيم القاعدة، ووفرت غطاءً سياسيًا وماليًا ولوجستيًا، مما جعل السودان مركزًا للتطرف العابر للحدود، مع تأثيرات امتدت لاحقًا إلى هجمات إرهابية دولية. 

كما شكل السودان منصة رئيسية لدعم حركة حماس منذ التسعينيات، عبر شبكة من الشركات والاستثمارات المالية، ما عزز الدور الإقليمي للجماعة.

العلاقة مع إيران تُظهر براغماتية استراتيجية؛ فقد استُخدم السودان كممر لتهريب الأسلحة إلى غزة، مما منح طهران موطئ قدم في أفريقيا، بينما حصلت جماعات الإخوان على دعم مالي وسياسي. هذا التحالف يعكس أن المصالح المشتركة غالبًا ما تتجاوز الاعتبارات العقائدية.

ويشير محللون إلى أن الإخوان المسلمين لا يمثلون مجرد ضغط خارجي على القيادة العسكرية، بل يشكلون جزءًا أساسيًا من بنيتها، من خلال توفير المقاتلين والخبرة التنظيمية والشبكات العابرة للحدود والخطاب السياسي. وفي المقابل، توفر القيادة العسكرية الشرعية والإمكانية للوصول إلى السلاح ومؤسسات الدولة، بما يعيد إلى الأذهان عهد البشير.

تتجاوز تداعيات الصراع حدود السودان، إذ يمكن لبلد يعاني من الانهيار المؤسسي وتسيطر عليه قيادات محسوبة على الإخوان أن يتحول إلى مركز ارتكاز للتطرف وعدم الاستقرار، ليس فقط في السودان بل في أفريقيا بأكملها، من الساحل إلى الشرق، ومع تصاعد الهجرة غير النظامية والاقتصادات غير المشروعة، ستتأثر أوروبا أيضًا بهذه التداعيات.

ختامًا، يظهر صراع السودان كإنذار مبكر لما قد تواجهه أفريقيا إذا لم تُعالج جذور الأزمة، خاصة تداخل الأيديولوجيا المسلحة مع مؤسسات الدولة. فما لم تُكسر هذه الحلقة، سيظل السلام هشًا، وستظل القارة عرضة لدورات جديدة من العنف والتطرف وعدم الاستقرار، بما يعقد الجهود الإقليمية والدولية للحفاظ على الأمن والسلم في المنطقة.