مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

"مذابح الأرمن".. وصمة عار تلاحق تركيا

نشر
الأمصار

بدأت عملية الإبادة الجماعية التي ارتكبتها القوات العثمانية عام 1915، في 24 نيسان/أبريل وهو التاريخ الذي بدأت فيه عمليات توقيف المثقفين الأرمن.

وبدأ مثقفون أتراك إحياء ذكرى الإبادة الجماعية للأرمن منذ العام 2005، وهو موضوع بقي محظورا لعقود في تركيا التي ترفض مصطلح إبادة جماعية وتشير إلى حرب أهلية فاقمتها مجاعة.
وقالت عائشة غونايسو عضو جمعية "آي إتش دي" الحقوقية التي كانت من الناشطين الأوائل الذين ينظمون هذا الحدث، أولا في مقرات تابعة لمنظمتها غير الحكومية ثم في أماكن عامة اعتبارا من العام 2010 "تسمح الشرطة الآن بالتجمعات شرط عدم استخدام كلمة إبادة جماعية. لكننا لا نريد الخضوع لهذا الحظر".
وشارك مئات الأتراك في إحياء هذه الذكرى على مر السنوات في مواقع رمزية مختلفة في اسطنبول، ما يشير إلى ابتعادهم عن الموقف الرسمي.
كذلك، أقيمت تجمعات ومعارض وعروض كتب ومناقشات حول هذا الموضوع في مدن أخرى من البلاد، من أنقرة إلى ديار بكر (جنوب شرق)، وتغاضت عنها السلطات رغم رفضها بشكل متكرر الاعتراف بالإبادة الجماعية.

رفض تركيا


ترفض تركيا بشكل قاطع أي محاولة لتصنيف مذابح الأرمن في عهد الامبراطورية العثمانية كإبادة جماعية، وردت على لسان المتحدث الرئاسي على الإعلان الأمريكي في هذا الصدد بأنه "أمر مشين لا تدعمه حقيقة تاريخية"، مؤكدة أنها ستلجأ إلى ردود أخرى.
تعترف تركيا بوقوع مجازر ووقوع ضحايا أرمن، لكنها تقول إن الرقم لا يتجاوز 300 ألف، وإن ذلك وقع في فترة حرب، فضلا عن أنه لا يرقى للفظ "إبادة جماعية" حسب تعبيرها.

تحاكم أنقرة على استخدام هذا اللفظ داخليا بموجب المادة 301 من قانون العقوبات المجرّم لإهانة الهوية التركية.


لماذا ترفض تركيا؟

تنكر أنقرة وجود إبادة جماعية لأن ذلك يسيء إلى تاريخها حسب ما يعتقد حكامها، ليس فقط الحكومة التركية، بل فئات واسعة للغاية من الشعب التركي. سبق أن صرّح المؤرخ التركي تانر أكام لنيويورك تايمز، أنه ليس من السهل لأمة أن تصف مؤسسيها بأنهم قتلة ولصوص، وذلك نظرا لكون العديد من قادة الجمهورية التركية الوليدة، -ليس منهم أتاتورك- كانوا مهندسين بالفعل لما وقع من مذابح، وعدد منهم اغتنوا من مصادرة أملاك الأرمن.
وذلك ليتشبث الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، بالجذور العثمانية لتركيا الحديثة ويتحدث عنها بكثير من الفخر، واستقبل بحفاوة كبيرة الحكم القضائي بتحويل متحف آيا صوفيا إلى مسجد كما كان عليه الحال في الفترة العثمانية. كذلك، يدافع أردوغان بقوة عن تعليم اللغة العثمانية القديمة في المدارس، كما عزز الطموحات الخارجية لبلاده بتوسيع النفوذ العسكري والاقتصادي بشكل يحيي إرث الإمبراطورية العثمانية حتى لو أدى ذلك إلى صدام مع قوى أخرى، فضلا عن محاولته تعديل الشكل العلماني لتركيا وإعادتها إلى ماضيها الإسلامي. يمكن القول إن أردوغان هو أحد أكثر رؤساء تركيا رفضا لوصف مذابج الأرمن بالإبادة ما دام ذلك يؤثر سلبا على سياسته التي تفتخر بتاريخ تركيا.
تتحدث تركيا كذلك عن أن الأتراك تعرضوا بدورهم لعمليات قتل جماعية من لدن "عصابات أرمينية"، وتقول وكالة الأناضول إن الروس وبعد انسحابهم من الحرب، سلحوا المقاتلين الأرمن بعتاد قوي، ما أتاح لهؤلاء ارتكاب مجازر ضد المدنيين العثمانيين. تتحدث الوكالة كذلك عن أن هناك توثيقا لمقتل 47 ألف شخص في مدينة قارص أوائل القرن الـ20، وفي فترة أخرى قُتل 17 ألف في المدينة نفسها، وكذلك قُتل 50 ألفا في أرضروم، وآلاف آخرين في مناطق أخرى.

مقتل 1,5 مليون أرمني


قتل 1,5 مليون أرمني عام 1915 على أيدي العثمانيين، خلال الحرب العالمية الأولى التي شاركت فيها الامبراطوية العثمانية مع ألمانيا وامبراطورية النمسا-المجر ضد قوات الحلفاء، وذلك عندما قُتل مئات المثقفين الأرمن وأبعد الآلاف من شرق الأناضول، انتقامًا من تشكيل الأرمن لمجموعات قتالية كانت تدعم الجيوش الروسية.

تعويضات واعتذار


تخاف تركيا من احتداد المطالب الأرمنية بتلقي تعويضات.

 رئيس البرلمان التركي الأسبق جميل جيجك كان قد صرح أن بعض الأرمن من أصول تركية يرفعون دعاوى قضائية ضد تركيا في المحاكم الأمريكية منذ مدة. 

ويشير تقرير لموقع المونيتور إلى أن هناك دعوى رفعت منذ عام 2010 ضد تركيا تطالب بـ65 مليون دولار كتعويض.

 المحكمة رفضت النظر في القضية لعدم تصنيف واشنطن آنذاك المذابح بأنها إبادة جماعية، لكن مع القرار الجديد لجو بايدن، سيكون لرافعي هذه الدعاوى سند كبير.
جانب آخر للرفض التركي يخصّ العلاقة المتوترة بين تركيا وأرمينيا.

 انهارت كل محاولات الصلح بين الدولتين الجارتين، وزاد التوتر مؤخرا بعد الدعم التركي الكبير لأذربيجان في حرب إقليم ناغورنو كاراباخ. زيادة على جدل الإبادة الجماعية، هناك خلافات كبيرة أخرى بين الطرفين خاصة حول مسائل حدودية، ونتيجة لذلك لم يتم تطبيع العلاقات بشكل كامل بين الدولتين.

اعتراف الولايات المتحدة


وخلال مؤتمر صحافي، قال لارشيه إن زيارته لأرمينيا على وجه الخصوص، حيث الدولة في حاجة ماسة إلى إعادة تأكيد صداقة فرنسا ودعمها، لها أهمية خاصة. مضيفاً "فرنسا لا تنسى. إنها تعرف كل ما تدين به لمواطنيها الذين تعود جذورهم إلى أرض أرمينيا". وأعرب عن آماله أن يتخذ الرئيس الأميركي جو بايدن قراراً بالاعتراف بالإبادة الجماعية للأرمن.
وتابع لارشيه، "مرت 21 سنة منذ اليوم الذي أصدر فيه الرئيس جاك شيراك (الرئيس الفرنسي الأسبق) قانوناً يتكون من 8 كلمات فقط، مادة واحدة تعترف بموجبها فرنسا رسمياً بالإبادة الجماعية للأرمن.


واعترف الرئيس الأميركي جو بايدن بالإبادة بحق الأرمن، ليكون أول رئيس للولايات المتحدة يصف مقتل 1.5 مليون أرميني على يد السلطنة العثمانية عام 1915 بأنه "إبادة".
وكتب بايدن، في بيان، "الأميركيون يكرّمون جميع الأرمن الذين لقوا حتفهم في الإبادة قبل 106 أعوام من اليوم". وأضاف، "نحن نؤكد التاريخ. لا نفعل ذلك لإلقاء اللوم على أحد وإنما لضمان عدم تكرار ما حدث".
وقالت مسؤولة أميركية رفضت الكشف عن اسمها، إن الإعلان يشكل "تكريماً للضحايا، وليس لإلقاء اللوم على أحد".
لبنان والأرمن
كما ألقت وزيرة الرياضة اللبنانية كلمة أمام النصب ممثلة عن الرئيس اللبناني ميشال عون، قائلة "إن شهداء مجازر الإبادة الأرمينية باقون في ضمائرنا وأحياء في حياتنا الحاضرة وفي مستقبلنا. هم يعلنون أن الله إله السلام يُدعى وليس إله الطغيان والاستعمار والعنف. معهم، نحن نرفض الاستسلام لحكم الموت. استشهدوا، فبقوا ناطقين بالروح. وها هم بعد أكثر من قرن، يجددون وجه الأرض".
وأشارت أوهانيان إلى قواسم مشتركة بين الشعبين اللبناني والأرمني تتمثل على الأكثر "في العذاب والتضحية والمعاناة. أنتم ذُبحتم بالسكين، ونحن ذُبحنا بالجوع والحصار، والفاعل واحد. على هذا الدرب، معاً، نحن نرفض، باسم الإنسانية التدجيل والتدمير وإخفاء الحقيقة".

اعتراف الدول 
وتعترف أكثر من 30 دولة حول العالم بالإبادة الجماعية، التي وقعت على المواطنين الأرمن والسريان واليونانيين بيد القوات العثمانية قبل أكثر من 100 عام، كما تعترف بها المنظمات والهيئات الدولية بما في ذلك الاتحاد الأوروبي، ومع ذلك هناك دولتان عربيتان فقط تعترفان رسمياً بهذه الجرائم، وتدرّسها ضمن كتب التاريخ المدرسية، وهما لبنان الذي أقر المذابح في عام 1996، وسوريا التي اعتمدتها رسمياً في فبراير (شباط) الماضي.
وخلال قمة ميونيخ للأمن في فبراير 2019، تحدث الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في خطابه عن "المجازر" التي وقعت ضد الأرمن ولجوئهم إلى مصر، حيث عاشوا بين المصريين كمواطنين، لكن القاهرة لم تعترف رسمياً بالإبادة. واعتبرت اللجنة الوطنية الأرمينية في مصر وقتها حديث السيسي بأنه "خطوة أولى" نحو الاعتراف الرسمي بما وقع قبل أكثر من 100 عام.
ودعا عضو البرلمان الأفريقي حاتم باشات، المجتمع الدولي لانتهاز الفرصة لخلق رأي عام دولي قوي ينصف هذه القضية، ويضع لها نهاية ترد اعتبار الشعب الأرمني، الذي عانى عشرات السنوات ويلات ذكرى الحرب القاسية في حقه وحق البشرية والإنسانية.

كيف بدأت مذابح الأرمن على يد العثمانيين؟

بدأت القصة عقب تولي السلطان عبد الحميد الثاني في عام 1876، وفي ذلك الوقت كان هناك متطالبات في الدولة العثمانية بإعادة إصلاح الدستور.

السلطان عبد الحميد الثاني


وكان الأرمن لهم مكانة وسلطة في تركيا وكان يبلغ عددهم في الحكومة العثمانية 23 وزيرا منهم وذلك في النص الأول من القرن التاسع عشر.
وفي ذلك الوقت حاول الملك عبدالحميد الثاني لملمة بقايا الدول التابعة لحكم فقام
بطرح فكرة الجامعة الإسلامية وعن طريق ذلك حاول تأييد الدول المسلمة.
وأصبح الأرمن عنصراً مخالفاً للفكرة والتوجه، وبدأوا في الضغط والمطالبة بإصلاحات في الولايات التي يقيمون ويتركزون فيها، وهي "فان" و"أرضروم" و"بتيليس" و"معمورة العزيز" و"ديار بكر". وساندهم في ذلك روسيا التي استغلت مطالبات الأرمن للضغط على العثمانيين والوصول للمياه الدافئة في مضيقي البوسفور والدردنيل. كما ضغطت بريطانيا للحصول على نصيب في الكعكة وساندت الأرمن بالفعل وحصلت على ما أرادت.
وبسبب تدخل الروس وتزايد مطالبات الأرمن، نشبت الحرب الروسية العثمانية عام 1877، واستمرت لمدة عام، وانتهت بهزيمة العثمانيين. وبعدها تم توقيع معاهدة سان ستيفانو، وحصل الأرمن لأول مرة في تاريخهم على المادة 16 التي تقضي بقيام الدولة العثمانية بعمل إصلاحات في الولايات الأرمينية وبإشراف روسي.
وهنا شعرت بريطانيا بنفوذ روسي قوي في تلك البقعة وإمكانية تهديد الروس لطريق التجارة العالمي فاعترضت على المعاهدة، وطلبت مفاوضات جديدة.

 وحدثت المفاوضات وانتهت بتوقيع اتفاق برلين في أيار/مايو 1878. 

وقبلها بشهور قليلة، وقعت بريطانيا مع الدولة العثمانية اتفاقية دفاع مشترك حصلت بموجبها على جزيرة قبرص من العثمانيين، ما ساعدها على الوصول لميناء الإسكندرية، واحتلال مصر عام 1882، وهو الهدف الذي كانت تسعى من أجله واستغلت قضية الأرمن لذلك.