حروب المستقبل تبدأ من المختبرات.. سباق عالمي للاستثمار في التكنولوجيا العسكرية
لم يعد سباق التسلح بين الشرق والغرب قائمًا على امتلاك أكبر عدد من الدبابات والطائرات أو زيادة حجم الترسانات العسكرية فحسب، بل انتقل إلى مرحلة جديدة عنوانها التفوق التكنولوجي.
مليارات تُضخ في الصناعات الدفاعية.. العالم يتسابق لامتلاك تكنولوجيا الحروب الحديثة
فالذكاء الاصطناعي، والروبوتات القتالية، والطائرات المسيّرة، والأنظمة ذاتية التشغيل أصبحت الأسلحة الأكثر تأثيرًا في معادلات القوة، ما دفع القوى الكبرى إلى ضخ استثمارات غير مسبوقة في الصناعات الدفاعية، في ظل تصاعد الأزمات الجيوسياسية واتساع نطاق المنافسة العسكرية عالميًا.

وتكشف أحدث البيانات عن وصول قيمة صفقات الدفاع والأمن حول العالم إلى نحو 40 مليار دولار حتى يوليو 2026، في مؤشر يعكس تسارع وتيرة الإنفاق العسكري واحتدام المنافسة بين القوى الدولية لتطوير أحدث التقنيات الدفاعية، وسط سباق متزايد على امتلاك منظومات قتالية أكثر تطورًا وكفاءة.
ولم يعد الابتكار العسكري حكرًا على الشركات العملاقة، إذ نجحت الشركات الناشئة العاملة في قطاع الدفاع والأمن في جذب تمويلات بلغت 39.8 مليار دولار، مدفوعة بالطلب المتزايد على حلول تعتمد على الذكاء الاصطناعي، والأنظمة غير المأهولة، والحرب الإلكترونية، والتقنيات الرقمية المتقدمة.

كما لعبت صناديق رأس المال المخاطر دورًا متناميًا في دعم هذا التحول، بعدما ضخت نحو 4.1 مليار دولار في شركات الدفاع، بهدف تسريع تطوير التقنيات العسكرية الحديثة، وتحويل الأفكار الابتكارية إلى تطبيقات عملية تعزز القدرات الدفاعية.
وفي موازاة ذلك، خصصت 13 شركة دفاع كبرى نحو 11.6 مليار دولار للبحث والتطوير، في إطار سباق عالمي لتطوير تقنيات الجيل الجديد من الأسلحة، بما يشمل الذكاء الاصطناعي، والأنظمة الذاتية، والحلول الرقمية التي أصبحت عنصرًا حاسمًا في الصناعات العسكرية.
وتشير البيانات إلى أن الإنفاق على التكنولوجيا الدفاعية سجل نموًا بنحو 25% خلال الفترة بين عامي 2021 و2026، مدفوعًا بتزايد الاعتماد على الابتكار العسكري والتقنيات الذكية، في وقت تتسابق فيه الدول الكبرى على تحقيق التفوق التكنولوجي باعتباره أحد أهم عناصر الردع وحسم الصراعات المستقبلية.
ويؤكد هذا المشهد أن المنافسة بين الشرق والغرب دخلت مرحلة مختلفة، لم تعد تُقاس فيها القوة بعدد القطع العسكرية فقط، وإنما بامتلاك التكنولوجيا الأكثر تقدمًا، والقدرة على توظيف الذكاء الاصطناعي والأنظمة الذكية في ساحات القتال، وهو ما يجعل الاستثمار في الابتكار العسكري أحد أبرز ملامح سباق التسلح العالمي خلال السنوات المقبلة.
انتقل سباق التسلح من الكم إلى الكيف؛ فلم تعد المنافسة تركز على زيادة أعداد الدبابات والطائرات، بل على تطوير أنظمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي، والطائرات المسيّرة، والأسلحة فرط الصوتية، والحرب الإلكترونية.
الولايات المتحدة تقود استثمارات ضخمة في تقنيات الدفاع عبر شركات مثل لوكهيد مارتن، ونورثروب جرومان، ورايثيون، إلى جانب التعاون مع شركات التكنولوجيا في مجالات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية.
الصين تنفذ استراتيجية طموحة لدمج الذكاء الاصطناعي في المنظومات العسكرية، وتعتبره عنصرًا رئيسيًا لتحقيق التفوق العسكري، مع استثمارات كبيرة في الطائرات بدون طيار، والروبوتات، والأسلحة الذكية.
روسيا تركز على تطوير الصواريخ فرط الصوتية، وأنظمة الدفاع الجوي، والحرب الإلكترونية، إلى جانب إدخال تقنيات الذكاء الاصطناعي في المعدات العسكرية الحديثة.
أوروبا رفعت إنفاقها الدفاعي بصورة ملحوظة بعد الحرب الروسية الأوكرانية، مع توسع برامج التصنيع العسكري والبحث والتطوير، خاصة في ألمانيا وفرنسا وبريطانيا.
الحرب في أوكرانيا أصبحت ساحة لاختبار الأسلحة والتقنيات الحديثة، وأظهرت الدور المتنامي للطائرات المسيّرة، والذكاء الاصطناعي، والأقمار الصناعية، وأنظمة التشويش الإلكتروني في إدارة المعارك.
تتوقع مؤسسات بحثية أن الذكاء الاصطناعي العسكري سيكون المحرك الرئيسي للإنفاق الدفاعي خلال العقد المقبل، مع زيادة الاعتماد على الأنظمة ذاتية التشغيل في الاستطلاع، والقيادة والسيطرة، واتخاذ القرار.
تشهد الصناعات الدفاعية تحولًا كبيرًا مع دخول شركات التكنولوجيا الناشئة إلى القطاع، حيث باتت تنافس الشركات العسكرية التقليدية في تطوير البرمجيات، والروبوتات، وتقنيات الأمن السيبراني.
يتسابق الشرق والغرب أيضًا على الهيمنة في الفضاء العسكري، عبر تطوير الأقمار الصناعية العسكرية وأنظمة الاتصالات والاستطلاع، باعتبار الفضاء أحد ميادين المنافسة الاستراتيجية الجديدة.
يرى خبراء أن التفوق في الذكاء الاصطناعي قد يصبح أكثر أهمية من امتلاك ترسانة عسكرية ضخمة، لأن سرعة تحليل البيانات واتخاذ القرار وإدارة العمليات القتالية أصبحت عاملًا حاسمًا في الحروب الحديثة.