تصعيد مستمر.. إلى أين تتجه المعركة بين إيران وأمريكا الأيام المقبلة؟
أثار الهجوم الذي استهدف ناقلتين وطنيتين إماراتيتين في الممر الجنوبي لمضيق هرمز، داخل المياه الإقليمية العُمانية، موجة واسعة من الإدانات، بعدما اعتُبر تصعيدًا جديدًا يهدد أمن الملاحة الدولية ويضع إيران أمام انتقادات قانونية متزايدة بشأن التزامها بقواعد القانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.
وأعلنت وزارة الدفاع الإماراتية أن الناقلتين "ممباسا" و"الباهية" تعرضتا لاستهداف بصاروخين جوالين إيرانيين أثناء عبورهما الممر الجنوبي للمضيق، وهو المسار الذي يقع ضمن المياه الإقليمية لسلطنة عُمان، وليس داخل المياه الإيرانية. وأسفر الهجوم عن مقتل أحد أفراد طاقم الناقلة "ممباسا" من الجنسية الهندية، وإصابة ثمانية آخرين، بينهم أربعة تعرضوا لإصابات بليغة، فيما تسبب القصف في اندلاع حرائق بالناقلتين قبل أن تتمكن فرق الطوارئ من السيطرة عليها.
موقع الهجوم يثير أبعادًا قانونية
اكتسب الحادث أهمية خاصة بسبب موقعه الجغرافي، إذ وقع داخل الممر الجنوبي لمضيق هرمز، وهو ممر دولي تعبره السفن التجارية عبر المياه العُمانية. ويرى خبراء القانون الدولي أن هذا الموقع يجعل الواقعة تتجاوز مجرد تهديد للملاحة البحرية، لتتحول إلى انتهاك مباشر لسيادة سلطنة عُمان، إضافة إلى مخالفة قواعد القانون الدولي التي تكفل حرية العبور في المضائق الدولية.

وتنص اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار على ضمان حق المرور العابر لجميع السفن في المضائق الدولية بصورة مستمرة ودون تعطيل، كما تحظر على الدول الساحلية اتخاذ إجراءات تمنع أو تعرقل حركة الملاحة أو تفرض قيودًا غير مشروعة على السفن العابرة.
انتهاك لحرية الملاحة الدولية
أكد الدكتور محمد محمود مهران، أستاذ القانون الدولي العام وعضو الجمعيتين الأمريكية والأوروبية للقانون الدولي، أن استهداف السفن التجارية في المسار الجنوبي لمضيق هرمز يمثل انتهاكًا مزدوجًا، لأنه يمس في الوقت نفسه سيادة سلطنة عُمان ويخالف قواعد القانون الدولي البحري الخاصة بحرية الملاحة.
وأوضح أن الهجمات التي تستهدف السفن في هذا المسار تعد خرقًا واضحًا للقواعد القانونية المنظمة للمضائق الدولية، مشيرًا إلى أن القانون الدولي لا يمنح أي دولة مشاطئة الحق في استخدام القوة العسكرية لفرض سيطرتها على حركة السفن أو توجيهها عبر مسارات محددة تخدم مصالحها.
وأضاف أن المادة الثانية من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار تؤكد سيادة الدولة الساحلية على بحرها الإقليمي الممتد إلى 12 ميلًا بحريًا، وبالتالي فإن أي عمل عسكري يستهدف سفنًا داخل المياه العُمانية يمثل اعتداءً على سيادة سلطنة عُمان.
كما أشار إلى أن المادة الثامنة والثلاثين من الاتفاقية تكفل لجميع السفن حق المرور العابر في المضائق الدولية دون تعليق أو تقييد، فيما أرست محكمة العدل الدولية في قضية "قناة كورفو" عام 1949 مبدأ قانونيًا يؤكد ضرورة احترام حرية الملاحة وعدم استخدام القوة لمنع عبور السفن.
اتهامات بمحاولة فرض سيطرة على المضيق
ويرى خبراء القانون أن الإجراءات الإيرانية خلال الفترة الأخيرة تعكس محاولة لفرض سيطرة فعلية على حركة الملاحة في مضيق هرمز، من خلال مطالبة السفن التجارية بالالتزام بمسارات محددة تخضع لإشرافها، إلى جانب التهديد باستهداف السفن التي لا تلتزم بهذه التوجيهات.
ويؤكد المختصون أن هذه الممارسات تتعارض مع الطبيعة القانونية للمضائق الدولية، التي تخضع لقواعد تضمن حرية المرور لجميع السفن دون تمييز، ولا تمنح أي دولة منفردة سلطة فرض قيود أو اشتراطات على الملاحة الدولية خارج نطاق الصلاحيات المحددة في الاتفاقيات الدولية.
ستة مسارات قانونية لمواجهة الانتهاكات
وأوضح أستاذ القانون الدولي أن المجتمع الدولي يمتلك عدة خيارات قانونية للتعامل مع هذه التطورات، تبدأ بإحالة النزاع إلى المحكمة الدولية لقانون البحار، باعتبار أن إيران طرف في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، بما يسمح بالنظر في الانتهاكات المرتبطة بحرية الملاحة.
كما يمكن طلب اتخاذ تدابير مؤقتة عاجلة من المحكمة لوقف الهجمات إلى حين الفصل في النزاع، إلى جانب رفع القضية إلى مجلس الأمن الدولي باعتبارها تهديدًا للسلم والأمن الدوليين.
وأشار كذلك إلى إمكانية تفعيل دور المنظمة البحرية الدولية لإصدار قرارات وإجراءات تهدف إلى حماية الملاحة البحرية وضمان أمن السفن التجارية العابرة للمضيق، إضافة إلى تطبيق قواعد المسؤولية الدولية التي تلزم الدولة المتسببة في الأضرار بدفع تعويضات كاملة عن الخسائر البشرية والمادية.
ومن بين الخيارات المطروحة أيضًا، ممارسة حق الدفاع عن النفس الجماعي وفق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، بما يتيح للدول المتضررة اتخاذ إجراءات لحماية سفنها ومصالحها البحرية وفق الأطر القانونية الدولية.
تحذيرات من تداعيات تتجاوز مضيق هرمز
وحذر خبراء القانون الدولي من أن استمرار استهداف السفن التجارية دون محاسبة قد ينعكس سلبًا على النظام القانوني المنظم للملاحة البحرية، ويؤدي إلى خلق سابقة خطيرة قد تمتد آثارها إلى مضائق وممرات بحرية استراتيجية أخرى حول العالم.
وأكدوا أن التغاضي عن هذه الانتهاكات قد يشجع على استخدام القوة لفرض النفوذ في الممرات الدولية، وهو ما يهدد استقرار التجارة العالمية وسلاسل الإمداد وأمن الطاقة الدولي.
الإمارات تدين وتحتفظ بحق الرد
من جانبها، أعربت وزارة الخارجية الإماراتية عن إدانتها الشديدة للهجوم، مؤكدة أن استهداف الناقلتين يمثل انتهاكًا صارخًا لحرية الملاحة وللقوانين الدولية المنظمة لحركة السفن التجارية.
وأوضحت الوزارة الإماراتية أن استخدام مضيق هرمز كوسيلة للضغط أو الابتزاز الاقتصادي يعد تهديدًا مباشرًا لاستقرار المنطقة ولأمن الطاقة العالمي، مشددة على ضرورة وقف هذه الاعتداءات وضمان إعادة فتح الممر البحري أمام الملاحة بصورة كاملة ودون أي قيود.
وفي بيان منفصل، أكدت وزارة الدفاع الإماراتية أن دولة الإمارات تحتفظ بحقها الكامل في اتخاذ جميع الإجراءات التي تكفل حماية أراضيها وشعبها ومصالحها الوطنية، بما يتوافق مع قواعد القانون الدولي، مع التشديد على استمرار العمل لحماية أمن الملاحة والحفاظ على استقرار المنطقة.
ويرى مراقبون أن الهجوم الأخير يعيد تسليط الضوء على أهمية مضيق هرمز باعتباره أحد أهم الممرات البحرية لنقل الطاقة عالميًا، وأن أي تصعيد عسكري داخله قد ينعكس بصورة مباشرة على حركة التجارة الدولية وأسواق النفط، فضلًا عن زيادة التوترات الإقليمية والدولية في منطقة الخليج.