مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

انتخابات إسرائيل 2026.. معركة سياسية في قلب الحرب ونتنياهو يواجه اختبار البقاء

نشر
الأمصار

في حدث سياسي يُعد الأول من نوعه منذ نحو أربعة عقود، تستعد إسرائيل لإجراء انتخابات الكنيست في موعدها الدستوري للمرة الأولى منذ 38 عاماً، في ظل أجواء داخلية وخارجية شديدة التعقيد، حيث تأتي المعركة الانتخابية بينما لا تزال تداعيات الحرب في قطاع غزة تلقي بظلالها على المشهد السياسي والأمني، وسط صراع حاد بين معسكر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ومعارضيه على مستقبل الحكم في إسرائيل.

وأُعلن رسميًا تحديد موعد الانتخابات العامة الإسرائيلية في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026، بعد قرار حل الكنيست في 17 يوليو/تموز الجاري، وذلك خلال مناقشات لجنة الكنيست الخاصة بقانون تمويل الأحزاب. ومن المقرر أن تبدأ رسميًا الفترة الانتخابية للكنيست السادس والعشرين، لتتحول الحكومة الحالية إلى حكومة انتقالية حتى موعد الاقتراع.

وتكتسب هذه الانتخابات أهمية استثنائية، ليس فقط لأنها تأتي في موعدها الطبيعي بعد انتهاء ولاية الكنيست كاملة لمدة أربع سنوات، ولكن أيضًا لأنها تُجرى في ظل واحدة من أكثر الفترات حساسية في تاريخ إسرائيل، بعد حرب طويلة في غزة امتدت لثلاث سنوات، وتوسعت تداعياتها لتشمل جبهات أخرى في لبنان وإيران واليمن.

انتخابات نادرة بعد عقود من التبكير

تمثل انتخابات 2026 حالة استثنائية في التاريخ السياسي الإسرائيلي، إذ ستكون المرة الأولى منذ عام 1988 التي تُجرى فيها انتخابات عامة بعد انتهاء الدورة البرلمانية الكاملة للكنيست.

ومنذ ذلك التاريخ، اعتادت إسرائيل إجراء انتخابات مبكرة نتيجة الخلافات السياسية وانهيار الحكومات المتعاقبة قبل انتهاء ولايتها، ما جعل اكتمال دورة الكنيست أمرًا نادرًا في النظام السياسي الإسرائيلي المعروف بتعدد الأحزاب وصعوبة تشكيل التحالفات المستقرة.

وتشير تقديرات سياسية إسرائيلية إلى أن الحكومة الحالية، التي تشكلت نهاية عام 2022 وتُعد الأكثر يمينية في تاريخ البلاد، تمكنت من تجاوز العديد من الأزمات الداخلية والخلافات بين مكوناتها، رغم التوقعات السابقة بأنها لن تستمر سوى أشهر قليلة بسبب طبيعة تركيبتها السياسية.

كما تؤكد القناة الإخبارية الإسرائيلية الـ12 أن هذه الحكومة هي الأولى منذ أكثر من خمسة عقود التي تنجح في استكمال ولايتها البرلمانية كاملة، في مؤشر يعكس قدرة التحالف الحاكم على الصمود رغم الضغوط السياسية والأمنية.

حرب غزة تفرض نفسها على صناديق الاقتراع

تأتي الانتخابات الإسرائيلية المقبلة في توقيت استثنائي، إذ تخوض البلاد معركة سياسية داخلية بالتزامن مع تداعيات حرب غزة، التي أصبحت أحد أبرز الملفات المؤثرة في توجهات الناخبين.

ومن المتوقع أن تكون قضايا الأمن، وإدارة الحرب، ومستقبل قطاع غزة، وصفقة تبادل الأسرى، والعلاقات مع الولايات المتحدة والمجتمع الدولي، من أبرز الملفات التي ستحدد خيارات الناخب الإسرائيلي داخل صناديق الاقتراع.

كما تلقي الجبهات الأخرى بظلالها على الانتخابات، خاصة التوترات مع حزب الله في لبنان، والتصعيد مع إيران، والهجمات المرتبطة بجماعات مسلحة في المنطقة، ما يجعل ملف الأمن القومي محورًا رئيسيًا في الخطاب الانتخابي للأحزاب المتنافسة.

ويرى مراقبون أن استمرار حالة الحرب قد يمنح بعض القوى اليمينية فرصة لتعزيز خطابها القائم على الأمن والردع، بينما تراهن المعارضة على تحميل الحكومة الحالية مسؤولية الإخفاقات الأمنية والسياسية التي سبقت الحرب وأثناء إدارتها.

معركة نتنياهو.. بين البقاء والمحاسبة

تتمحور الانتخابات المقبلة بشكل كبير حول مستقبل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي يخوض معركة سياسية جديدة للحفاظ على موقعه في السلطة بعد سنوات طويلة من الهيمنة على المشهد الإسرائيلي.

ويواجه نتنياهو انتقادات من خصومه بسبب طريقة إدارة الحرب، والأوضاع الأمنية، إضافة إلى الملفات القضائية التي لاحقته خلال السنوات الماضية، بينما يرى أنصاره أنه القادر على قيادة إسرائيل في ظل التحديات الإقليمية.

ويعتمد رئيس الوزراء الإسرائيلي على تحالف يضم حزب "الليكود" إلى جانب أحزاب اليمين الديني والقومي، وعلى رأسها حزب "القوة اليهودية" بزعامة إيتمار بن غفير، وحزب "الصهيونية الدينية" بقيادة بتسلئيل سموتريتش، بالإضافة إلى حزبي "شاس" و"يهدوت هتوراه".

ويأمل نتنياهو في الحفاظ على تماسك هذا المعسكر، ومنع المعارضة من الوصول إلى الأغلبية المطلوبة لتشكيل حكومة جديدة، إذ يحتاج أي ائتلاف حكومي إلى دعم 61 عضوًا على الأقل من أصل 120 مقعدًا في الكنيست.

وفي المقابل، تخوض قوى المعارضة الانتخابات بهدف إنهاء فترة حكم نتنياهو الطويلة وإعادة تشكيل الخريطة السياسية الإسرائيلية.

وتضم جبهة المعارضة أحزابًا متعددة الاتجاهات، من بينها حزب "معا" بقيادة نفتالي بينيت، وحزب "يشار" بقيادة غادي آيزنكوت، وحزب "الديمقراطيين" بقيادة يائير غولان، إلى جانب حزب "إسرائيل بيتنا" بزعامة أفيغدور ليبرمان.

ورغم اختلاف توجهات هذه الأحزاب، فإنها تتفق على ضرورة تغيير القيادة الحالية، وتحمل حكومة نتنياهو مسؤولية الأزمات التي تواجه إسرائيل.

لكن العقبة الرئيسية أمام المعارضة تتمثل في صعوبة تشكيل تحالف موحد، خاصة مع استمرار رفض غالبية الأحزاب اليهودية التعاون مع الأحزاب العربية داخل الكنيست، وهو ما قد يعقد فرص تشكيل حكومة بديلة حتى في حال تراجع قوة معسكر نتنياهو.

الأحزاب العربية ورقم صعب في المعادلة

تلعب الأحزاب العربية داخل إسرائيل دورًا مهمًا في حسابات تشكيل الحكومة المقبلة، إذ تمثل كتلة تصويتية يمكن أن تكون حاسمة في حال تقارب النتائج بين المعسكرات المتنافسة.

وتشارك الأحزاب العربية من خلال تحالف الجبهة الديمقراطية والحركة العربية للتغيير، إضافة إلى القائمة العربية الموحدة برئاسة منصور عباس.

وتشير استطلاعات الرأي الحالية إلى إمكانية حصول النواب العرب على نحو 10 مقاعد، إلا أن موقف الأحزاب اليهودية من التحالف معها قد يحرمها من لعب دور مباشر في تشكيل الحكومة.

ويرى محللون أن استمرار هذا الرفض قد يعيد إسرائيل إلى دائرة الانتخابات المتكررة، إذا فشل أي معسكر في الوصول إلى أغلبية مستقرة داخل الكنيست.

وفق استطلاعات الرأي الأخيرة، يواجه المشهد السياسي الإسرائيلي حالة من عدم اليقين، إذ تشير التقديرات إلى حصول معسكر نتنياهو على نحو 52 مقعدًا، مقابل 58 مقعدًا للمعارضة، بينما يحصل النواب العرب على نحو 10 مقاعد.

ورغم تقدم المعارضة رقميًا، فإن طبيعة النظام الانتخابي الإسرائيلي تجعل تشكيل الحكومة مرتبطًا بالقدرة على بناء تحالفات سياسية، وليس فقط بعدد المقاعد التي يحصل عليها كل حزب.

ولهذا يسعى نتنياهو إلى خوض المعركة الانتخابية على محورين؛ الأول تحقيق الفوز المباشر، والثاني منع المعارضة من الوصول إلى حاجز الـ61 مقعدًا، حتى لو لم يحصل معسكره على أغلبية واضحة.

ومن الملفات التي ستؤثر بقوة على الانتخابات المقبلة صعود الأحزاب اليمينية المتشددة داخل الحكومة الحالية، خاصة حزب "القوة اليهودية" وحزب "الصهيونية الدينية".

وقد أثارت مواقف قيادات هذه الأحزاب، خاصة إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، جدلًا واسعًا داخل إسرائيل وخارجها بسبب مواقفهما تجاه الحرب والقضية الفلسطينية ومستقبل الأراضي المحتلة.

ويرى منتقدو الحكومة أن نفوذ هذه الأحزاب تسبب في تعقيد العلاقات الدولية لإسرائيل، بينما يؤكد أنصارها أنها تمثل توجهات قطاع واسع من المجتمع الإسرائيلي.

ومن المتوقع أن تكون العلاقة بين الليكود وهذه الأحزاب أحد الملفات الحاسمة في مفاوضات تشكيل الحكومة المقبلة.

ماذا بعد الانتخابات؟

رغم وضوح موعد الانتخابات، فإن السيناريوهات السياسية بعد ظهور النتائج تبدو مفتوحة على احتمالات متعددة.

فإذا نجح نتنياهو في الحفاظ على تحالفه اليميني، فقد يستمر في قيادة الحكومة، أما إذا تمكنت المعارضة من تحقيق تقدم كبير، فقد تبدأ مفاوضات صعبة لتشكيل ائتلاف جديد.

لكن استمرار الانقسام السياسي ورفض بعض الأطراف التعاون مع قوى معينة قد يجعل إسرائيل أمام احتمال تكرار سيناريوهات الانتخابات السابقة، والدخول في جولات انتخابية جديدة.

وبينما تتجه إسرائيل إلى صناديق الاقتراع، تبدو المعركة أكبر من مجرد منافسة حزبية، إذ إنها ستحدد شكل السياسة الإسرائيلية خلال السنوات المقبلة، وطبيعة التعامل مع ملفات الحرب والأمن والعلاقات الإقليمية.

فالانتخابات المقبلة لا تُجرى فقط لاختيار حكومة جديدة، وإنما تمثل اختبارًا لمستقبل نتنياهو السياسي، ولقدرة النظام الإسرائيلي على تجاوز واحدة من أكثر مراحله اضطرابًا منذ عقود.