وسط استنزاف متواصل
أزمة غير مسبوقة في جيش الاحتلال.. وحدات قتالية فقدت معظم مقاتليها
كشفت تقارير إسرائيلية عن تصاعد أزمة القوى البشرية داخل الجيش الإسرائيلي، في ظل استمرار العمليات العسكرية على عدة جبهات، حيث باتت العديد من الوحدات القتالية تعاني نقصًا حادًا في أعداد المقاتلين، الأمر الذي يثير مخاوف متزايدة بشأن قدرة الجيش على الحفاظ على جاهزيته القتالية خلال المرحلة المقبلة.
ونقلت هيئة البث الإسرائيلية عن قادة ميدانيين في وحدات المشاة أن الأزمة تجاوزت حدود النقص التقليدي في المجندين، لتصل إلى تآكل فعلي في بنية الوحدات القتالية، نتيجة مزيج من الإصابات والخسائر البشرية والإرهاق الجسدي والنفسي، إضافة إلى انتهاء خدمة عدد من الجنود وانتقال آخرين إلى مهام مختلفة داخل المؤسسة العسكرية.
فصائل تقلصت من 40 مقاتلًا إلى 5 فقط
وقال أحد قادة وحدات المشاة، وفقًا لهيئة البث الإسرائيلية، إن الفصيل الذي يقوده دخل المعارك بنحو 40 مقاتلًا، إلا أنه لم يتبق فيه حاليًا سوى خمسة جنود فقط قادرين على أداء المهام القتالية.
وأوضح أن بقية أفراد الفصيل أنهوا خدمتهم العسكرية، أو نُقلوا إلى وحدات أخرى، أو تولوا مناصب قيادية وإدارية، فيما خرج عدد كبير منهم من الخدمة القتالية بسبب إصابات جسدية أو معاناتهم من آثار نفسية ناجمة عن أشهر طويلة من القتال.
وأشار إلى أن هذا الواقع لم يعد استثنائيًا، بل أصبح يتكرر في عدد من الوحدات القتالية، ما انعكس بصورة مباشرة على كفاءة تنفيذ المهام العسكرية في الميدان.
نقص في المقاتلين واستنزاف مستمر
ووفقًا للتقرير، لا يقتصر التحدي الذي يواجهه الجيش الإسرائيلي على صعوبة استقطاب مقاتلين جدد، بل يمتد إلى الحفاظ على العناصر الحالية وإعادة تأهيل الجنود الذين تراجعت جاهزيتهم القتالية بفعل الإصابات والإجهاد المتراكم.
وأكد قادة ميدانيون أن العديد من الفصائل التي يفترض أن تضم نحو 30 إلى 40 مقاتلًا، باتت تعمل بأعداد تتراوح بين 6 و10 جنود فقط، بينما لا يزيد عدد أفراد بعض الفصائل الأخرى على 20 مقاتلًا، وهو رقم يقل كثيرًا عن الحد المطلوب لتنفيذ المهام العسكرية بكفاءة.
وأضافوا أن استمرار العمليات العسكرية لفترات طويلة فرض ضغوطًا غير مسبوقة على الوحدات المقاتلة، خاصة مع تكرار عمليات الاستدعاء لقوات الاحتياط، واستمرار انتشار القوات على أكثر من جبهة.

إعادة توزيع الجنود داخل الجيش
وأشارت هيئة البث الإسرائيلية إلى أن الأزمة دفعت الجيش إلى إعادة توزيع أعداد كبيرة من الجنود بين الوحدات المختلفة لسد النقص في بعض المواقع، كما جرى نقل عدد من المقاتلين الذين تلقوا تدريبات قتالية إلى مهام لوجستية أو إدارية أو تقنية خلال الحرب، الأمر الذي انعكس على حجم القوة المتاحة في الخطوط الأمامية.
كما أوضح قادة عسكريون أن عشرات الجنود الذين لا يزالون يُصنفون رسميًا ضمن القوات المقاتلة لم يعودوا يشاركون فعليًا في العمليات العسكرية، إما بسبب إصابات تعرضوا لها، أو نتيجة معاناتهم من ضغوط نفسية، أو تكليفهم بمهام بعيدة عن ساحات القتال.
الإرهاق النفسي والجسدي يزيد الضغوط
وتشير التقارير إلى أن الضغوط النفسية أصبحت أحد أبرز التحديات التي تواجه الجيش الإسرائيلي، بعد أشهر طويلة من القتال المتواصل، حيث اضطر عدد من الجنود إلى التوقف عن المشاركة في العمليات نتيجة الإرهاق أو الحاجة إلى برامج علاج وتأهيل.
ويرى مسؤولون عسكريون أن الحفاظ على الجاهزية القتالية لم يعد مرتبطًا فقط بتوفير الأسلحة والمعدات، وإنما أصبح يعتمد بدرجة كبيرة على قدرة الجيش على إعادة تأهيل المقاتلين، وتعويض النقص في الوحدات التي تعرضت لاستنزاف كبير.

تحديات التجنيد في ظل استمرار الحرب
وتأتي هذه الأزمة في وقت يواصل فيه الجيش الإسرائيلي توسيع عمليات التجنيد واستدعاء قوات الاحتياط، وسط جدل داخلي متصاعد بشأن أعباء الخدمة العسكرية، خاصة مع استمرار الحرب منذ ما يقارب ثلاثة أعوام، وفق ما أوردته هيئة البث الإسرائيلية.
وكانت تقارير إسرائيلية سابقة قد أشارت إلى أن المؤسسة العسكرية تواجه تحديات متزايدة في توفير الأعداد المطلوبة من المقاتلين، في ظل ارتفاع أعداد المصابين والقتلى، واستمرار العمليات العسكرية لفترات أطول من التقديرات الأولية، فضلاً عن الجدل السياسي المتعلق بتوسيع التجنيد الإلزامي ليشمل فئات كانت معفاة سابقًا.
أزمة تهدد جاهزية الجيش
وأكد قادة الوحدات القتالية أن الجيش أصبح مطالبًا باتخاذ إجراءات عاجلة لا تقتصر على تجنيد عناصر جديدة، بل تشمل أيضًا الحفاظ على المقاتلين الحاليين، وتوفير برامج لإعادة التأهيل النفسي والبدني، وإعادة بناء الوحدات التي تعرضت للاستنزاف.
وأشاروا إلى أن استمرار تراجع أعداد المقاتلين الجاهزين قد ينعكس على قدرة الجيش على تنفيذ عملياته بكفاءة، خصوصًا إذا استمرت المواجهات على أكثر من جبهة في الوقت نفسه.
وتعكس هذه المعطيات، بحسب مراقبين، حجم الضغوط التي تواجهها المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بعد سنوات من العمليات المتواصلة، حيث باتت أزمة القوى البشرية واحدة من أبرز التحديات الاستراتيجية التي تهدد جاهزية الجيش، إلى جانب التحديات الأمنية والعسكرية المرتبطة باستمرار الحرب واتساع نطاقها.