من الدوافع الأيديولوجية للإغراءات المالية.. كيف تعيد أوكرانيا تشكيل نظام التجنيد بحرب الاستنزاف؟
في ظل استمرار الحرب الروسية الأوكرانية منذ فبراير/شباط 2022، تتجه أوكرانيا إلى إعادة صياغة منظومة التجنيد العسكري بشكل جذري، عبر التركيز على استقطاب مقاتلين أجانب بعقود مالية مجزية، في محاولة لمعالجة النقص المتزايد في القوى البشرية على خطوط المواجهة الأمامية، خاصة في وحدات المشاة والهجوم التي تُعد الأكثر استنزافًا.
وتعتمد الاستراتيجية الأوكرانية الجديدة على مزيج من رفع الرواتب، وتقديم مكافآت قتالية مرتفعة، إلى جانب عقود محددة المدة، في تحول لافت من نموذج التجنيد القائم على الحافز الأيديولوجي أو “الدفاع عن الدولة” إلى نموذج أقرب لسوق العمل العسكري المدفوع.
وبحسب تصريحات مسؤولين عسكريين ومقاتلين أجانب نقلتها وسائل إعلام دولية، فإن كييف باتت تراهن بشكل متزايد على جذب مقاتلين من خارج البلاد، ليس فقط لسد النقص في الأفراد، بل أيضًا لتعويض الخسائر البشرية المتراكمة التي فرضتها حرب طويلة الأمد ذات طابع استنزافي.
عقود جديدة برواتب “قياسية”

ضمن التعديلات الأخيرة التي أعلنتها أوكرانيا على نظام الرواتب، طرحت الحكومة عقودًا عسكرية جديدة تتراوح مدتها بين ستة أشهر و14 شهرًا، مع رواتب شهرية مرتفعة تصل في المتوسط إلى نحو 300 ألف هريفنيا أوكرانية (حوالي 7000 دولار)، وقد ترتفع إلى أكثر من 460 ألف هريفنيا (أكثر من 10 آلاف دولار) بحسب طبيعة المهام وعدد أيام الخدمة في الخطوط الأمامية.
وتصف الحكومة هذه الرواتب بأنها من بين الأعلى عالميًا لجنود المشاة، في إطار محاولة لتعويض المخاطر العالية التي يتعرض لها المقاتلون في جبهات القتال، حيث تتحول مناطق الخطوط الأمامية إلى ما يشبه “مناطق قتل” بسبب كثافة القصف والهجمات بالطائرات المسيّرة.
وقال وزير الدفاع الأوكراني إن الهدف من هذه السياسة هو شغل ما بين 30% إلى 50% من وظائف المشاة والهجوم عبر مقاتلين أجانب، في خطوة تعكس حجم الضغط الذي تواجهه المؤسسة العسكرية في استكمال قوامها البشري.
من المتطوعين إلى “المقاتلين بأجر”
منذ بداية الحرب، استقطبت أوكرانيا آلاف المتطوعين الأجانب الذين انضموا بدوافع أيديولوجية أو سياسية، انطلاقًا من قناعة بالدفاع عن دولة تتعرض لهجوم، وليس بدافع مالي.
لكن مع مرور الوقت، بدأت هذه المعادلة تتغير بشكل واضح، وفق شهادات مقاتلين ميدانيين، حيث تراجع عدد المتطوعين ذوي الدوافع الأيديولوجية، مقابل زيادة في أعداد من ينضمون لأسباب مالية بحتة.
ويقول “رايان أوليري”، قائد سرية في وحدة تطوعية أجنبية في أوكرانيا، إن “عدد الرجال القادمين بدافع المال في تزايد مستمر، لكن ذلك لا يحل مشكلة نقص الجنود بشكل تلقائي”، مشيرًا إلى أن الجيش الأوكراني يعاني من “دوران مستمر” للمقاتلين الأجانب الذين يغادرون بعد انتهاء العقود القصيرة.
ويضيف مقاتلون آخرون أن مدة العقود القصيرة، التي لا تتجاوز غالبًا ستة أشهر، تجعل العائد العسكري محدودًا، إذ يتم تدريب المقاتل ثم يغادر قبل تحقيق استفادة طويلة الأمد منه في الميدان.
حرب استنزاف تضغط على القوات الأوكرانية
بعد أكثر من أربع سنوات من القتال، يواجه الجيش الأوكراني ما يُوصف بأنه “استنزاف حاد” في القوى البشرية، خاصة في صفوف المشاة وقوات الهجوم المباشر.
وتشير تقديرات ميدانية إلى أن هذه الوحدات تعد الأكثر تعرضًا للخسائر، في ظل طبيعة الحرب التي تعتمد بشكل كبير على المدفعية الثقيلة والطائرات المسيّرة والهجمات الدقيقة، ما يجعل البقاء على قيد الحياة في الخطوط الأمامية تحديًا يوميًا.
ويقول ضباط ميدانيون إن العديد من الجنود الذين التحقوا في المراحل الأولى من الحرب إما أصيبوا أو أنهكوا نفسيًا وبدنيًا، بينما يواجه المجندون الجدد صعوبة في التأقلم مع طبيعة القتال الحديثة، التي تعتمد بشكل متزايد على التكنولوجيا والحرب غير التقليدية.
رواتب مرتفعة.. هل تحل أزمة الجنود؟
ترى الحكومة الأوكرانية أن رفع الرواتب وتوسيع العقود قد يشكلان أداة فعالة لجذب مقاتلين جدد، سواء من الداخل أو الخارج، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف الحرب وطول أمدها.
ويؤكد مسؤولون عسكريون أن الأجر المرتفع يمثل حافزًا قويًا، خاصة للمقاتلين الأجانب الذين يمتلكون خبرات سابقة في نزاعات أخرى، مشيرين إلى أن تحسين الحوافز المالية قد يساهم في تعزيز الاستقرار النسبي في خطوط الجبهة.
لكن في المقابل، يرى محللون ومقاتلون ميدانيون أن المال وحده لا يكفي، وأن المشكلة الأساسية لا تتعلق فقط بالرواتب، بل بظروف الخدمة، ومدة العقود، ونقص الامتيازات اليومية، بالإضافة إلى محدودية الوصول إلى بعض الأنظمة الرقمية والخدمات اللوجستية داخل الجيش.
تحديات الاحتفاظ بالمقاتلين الأجانب
واحدة من أبرز الإشكاليات التي تواجه أوكرانيا تتمثل في صعوبة الاحتفاظ بالمقاتلين الأجانب لفترات طويلة، إذ يغادر العديد منهم بعد انتهاء الحد الأدنى للعقد، مما يخلق فجوة مستمرة في القوة البشرية.
ويشير مقاتلون إلى أن التدريب يتطلب وقتًا وجهدًا كبيرين، وبالتالي فإن فقدان المقاتل بعد ستة أشهر فقط يقلل من العائد العسكري مقارنة بالتكلفة التي يتم إنفاقها على تجهيزه وتأهيله.
كما أن بعض المقاتلين يرون أن تحسين ظروف الخدمة اليومية، وتوسيع الامتيازات، وتسهيل الوصول إلى البنية الرقمية العسكرية، قد يكون أكثر تأثيرًا من مجرد رفع الرواتب.
يرى مراقبون أن أوكرانيا تتحرك تدريجيًا نحو نموذج أقرب إلى “سوق للجنود”، حيث يتم جذب المقاتلين بناءً على العرض المالي والامتيازات، في ظل حرب طويلة لا تعتمد فقط على الحماس الأيديولوجي كما في بدايتها.
ويقول أحد الضباط في وحدة الحرب الإلكترونية إن استقطاب المقاتلين الأجانب أصبح “أحد الحلول الواقعية” لمواجهة نقص الأفراد، لكنه في الوقت نفسه ليس حلًا جذريًا، بل إجراء مؤقت لسد الفراغ في الخطوط الأمامية.
وتعكس هذه التحولات أيضًا واقعًا سياسيًا وعسكريًا معقدًا، حيث تحاول كييف الحفاظ على قدرتها القتالية في مواجهة خصم يمتلك تفوقًا عدديًا في بعض الجبهات، مع الاعتماد على الدعم الغربي والتكنولوجيا العسكرية الحديثة.
وفي هذا السياق، يرى خبراء أن التجنيد المدفوع للمقاتلين الأجانب قد يفتح بابًا جديدًا في طبيعة الحروب الحديثة، حيث تصبح الخبرة القتالية سلعة يمكن التنافس عليها عبر الحوافز المالية.
بين تصاعد الخسائر البشرية، وطول أمد الحرب، وتحول دوافع القتال من الأيديولوجيا إلى المال، تجد أوكرانيا نفسها أمام معادلة صعبة: كيف يمكن الحفاظ على القدرة القتالية دون استنزاف داخلي متواصل؟
وفي الوقت الذي تراهن فيه كييف على العقود الجديدة والرواتب المرتفعة، يبقى التحدي الأكبر هو القدرة على تحويل هذا النموذج إلى قوة مستدامة على الأرض، وليس مجرد حل مؤقت لأزمة تتفاقم مع استمرار الحرب.