هل تحسم قمة الناتو مستقبل نووي إيران؟.. رسائل ردع جماعية ودعم لأوكرانيا
تتجه أنظار العالم إلى القمة المرتقبة لحلف شمال الأطلسي (الناتو) المقرر عقدها في تركيا، في ظل تصاعد التحديات الأمنية التي تواجه أوروبا والشرق الأوسط، ووسط توقعات بأن تخرج القمة بمجموعة من القرارات التي قد تعيد رسم أولويات الحلف خلال المرحلة المقبلة، سواء فيما يتعلق بالملف النووي الإيراني أو استمرار الدعم العسكري لأوكرانيا، فضلًا عن مستقبل الالتزامات الدفاعية بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين.

وتكتسب القمة أهمية استثنائية، كونها تأتي بعد أشهر من تطورات متسارعة شهدتها المنطقة، أبرزها التوتر العسكري بين الولايات المتحدة وإيران، واستمرار الحرب الروسية الأوكرانية، إلى جانب تصاعد المخاوف الغربية من اتساع دائرة الأزمات الأمنية في الشرق الأوسط، وهو ما يضع قادة الحلف أمام اختبار جديد يتعلق بقدرتهم على الحفاظ على وحدة الموقف السياسي والعسكري داخل أكبر تحالف دفاعي في العالم.
توافق أولي على بيان القمة

بحسب مسودة البيان الختامي التي وافق عليها سفراء الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي، ينتظر أن يجدد قادة الحلف خلال اجتماعهم التأكيد على الالتزام الكامل بمبدأ الدفاع الجماعي المنصوص عليه في المادة الخامسة من ميثاق الناتو، والتي تعتبر أي اعتداء على دولة عضو اعتداءً على جميع أعضاء الحلف.
ويعد هذا التأكيد رسالة سياسية وعسكرية في توقيت بالغ الحساسية، خاصة مع استمرار التوترات الإقليمية وارتفاع مستوى التهديدات التي تواجه بعض الدول الأعضاء، وهو ما يعكس حرص الحلف على إظهار تماسكه في مواجهة أي تحديات أمنية مستقبلية.
ورغم التوافق المبدئي على صيغة البيان، فإن النص لا يزال ينتظر الموافقة النهائية من قادة الدول خلال القمة، ما يترك الباب مفتوحًا أمام إدخال تعديلات تتوافق مع مواقف العواصم المشاركة.
موقف موحد من البرنامج النووي الإيراني
يتصدر الملف الإيراني جدول أعمال القمة، في ظل توقعات بأن يتبنى الحلف موقفًا جماعيًا واضحًا يؤكد رفض امتلاك إيران لأي سلاح نووي، باعتبار ذلك أحد الخطوط الحمراء بالنسبة للدول الغربية.
وتشير التسريبات إلى أن البيان الختامي سيدعو طهران إلى الالتزام الكامل بحرية الملاحة الدولية في مضيق هرمز، الذي يمثل أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز عالميًا، بعدما شهد خلال الأشهر الماضية توترات متكررة أثارت مخاوف من اضطراب حركة التجارة العالمية.
ويرى مراقبون أن إدراج الملف الإيراني ضمن أولويات القمة يعكس إدراك دول الحلف أن أمن الشرق الأوسط بات يرتبط بصورة مباشرة بالأمن الأوروبي، سواء من خلال أمن الطاقة أو حماية خطوط الملاحة الدولية أو الحد من مخاطر الانتشار النووي.
إلى جانب الملف الإيراني، تتوقع مصادر غربية أن يعلن قادة الناتو استمرار الدعم العسكري لأوكرانيا خلال العامين المقبلين، من خلال تخصيص مساعدات عسكرية تصل إلى نحو 70 مليار يورو خلال عام 2026، مع الحفاظ على مستويات دعم مماثلة خلال عام 2027.
ويهدف هذا الالتزام إلى ضمان استمرار قدرات الجيش الأوكراني في مواجهة العمليات العسكرية، إضافة إلى توجيه رسالة سياسية إلى موسكو بأن الحلف لا يزال متمسكًا بدعم كييف على المدى الطويل.
ويرى محللون أن استمرار المساعدات العسكرية يعكس اقتناع دول الحلف بأن الحرب الأوكرانية ستظل أحد أبرز التحديات الأمنية التي تواجه أوروبا خلال السنوات المقبلة.
ترامب يعيد ترتيب أولويات الحلف
تشهد القمة أيضًا مشاركة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي عاد إلى البيت الأبيض حاملًا رؤية مختلفة بشأن مستقبل العلاقة بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين.
وخلال الأشهر الماضية، كرر ترامب انتقاداته للدول الأوروبية، معتبرًا أن واشنطن تتحمل العبء الأكبر في تمويل الحلف، بينما لا تفي بعض الدول الأعضاء بالتزاماتها المالية والدفاعية.
كما وجه انتقادات لمواقف بعض الحلفاء خلال المواجهة الأخيرة مع إيران، بعدما فرضت عدة دول قيودًا على استخدام الولايات المتحدة لقواعدها العسكرية في تنفيذ عملياتها، وهو ما أثار جدلًا داخل أروقة الحلف بشأن طبيعة التنسيق العسكري بين الأعضاء.
ومن أبرز الملفات التي ستناقشها القمة أيضًا متابعة تنفيذ الاتفاق السابق الخاص برفع الإنفاق الدفاعي للدول الأعضاء إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035.
ويعد هذا الهدف أحد أبرز المطالب التي دافع عنها ترامب، معتبرًا أن تعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية يمثل شرطًا أساسيًا لتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة.
ويرى خبراء أن زيادة الإنفاق العسكري لن تقتصر آثارها على تطوير الجيوش الأوروبية، بل ستنعكس أيضًا على الصناعات الدفاعية العالمية، في ظل ارتفاع الطلب على أنظمة التسليح والتكنولوجيا العسكرية.
لماذا تكتسب القمة أهمية خاصة؟
لا تأتي هذه القمة في ظروف اعتيادية، بل تعقد وسط مشهد دولي شديد التعقيد، تتداخل فيه الحرب في أوكرانيا، والملف النووي الإيراني، والتوترات في الشرق الأوسط، والتنافس المتصاعد بين القوى الكبرى.
كما أن القمة تمثل فرصة لإظهار مدى تماسك الحلف بعد سنوات من الخلافات بشأن تقاسم الأعباء الدفاعية، ومستقبل العلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا.
ويعتقد مراقبون أن نجاح القادة في الخروج بموقف موحد تجاه القضايا المطروحة سيعزز من مكانة الناتو باعتباره الفاعل الأمني الأبرز على الساحة الدولية.
لا يقتصر تأثير القمة على القرارات الرسمية التي ستصدر عنها، بل يمتد إلى الرسائل السياسية التي تحملها إلى مختلف الأطراف الدولية.
فالحديث عن منع إيران من امتلاك سلاح نووي يمثل رسالة ردع واضحة، فيما يعكس استمرار دعم أوكرانيا إصرار الحلف على مواصلة مواجهة التحديات الأمنية في أوروبا.
وفي الوقت نفسه، فإن التشديد على مبدأ الدفاع الجماعي يهدف إلى طمأنة الدول الأعضاء بأن التزامات الحلف لا تزال قائمة، رغم التحولات التي يشهدها النظام الدولي.
هل تؤسس القمة لمرحلة جديدة؟
يرى محللون أن قمة تركيا قد تمثل نقطة تحول في مسار الحلف، إذ تسعى إلى المواءمة بين الملفات التقليدية للناتو في أوروبا، والتحديات المتصاعدة في الشرق الأوسط.
كما تعكس القمة تحولًا تدريجيًا في مفهوم الأمن الجماعي، الذي لم يعد يقتصر على مواجهة التهديدات العسكرية التقليدية، بل أصبح يشمل أمن الطاقة، وحماية الممرات البحرية، ومنع الانتشار النووي، ومواجهة الهجمات السيبرانية.
وفي حال اعتماد البيان الختامي بصيغته الحالية، فإن القمة ستبعث برسالة واضحة مفادها أن الناتو يسعى إلى الحفاظ على وحدة مواقفه تجاه القضايا الدولية الكبرى، مع استمرار تطوير قدراته الدفاعية لمواجهة التحديات المستقبلية.
وبين الملف النووي الإيراني، والدعم المستمر لأوكرانيا، والضغوط الأمريكية لزيادة الإنفاق الدفاعي، تبدو قمة الناتو المقبلة واحدة من أكثر الاجتماعات أهمية خلال السنوات الأخيرة، وقد تشكل نتائجها ملامح المرحلة المقبلة في توازنات الأمن الإقليمي والدولي.