محادثات واشنطن وطهران تعود إلى الطاولة.. تقدم حذر والملف النووي خارج النقاش
تشهد العلاقات الأمريكية الإيرانية مرحلة جديدة من الحراك الدبلوماسي، بعد جولة محادثات غير مباشرة استضافتها العاصمة القطرية الدوحة، وسط مؤشرات على إحراز تقدم في بعض الملفات العالقة، مقابل استمرار الخلافات حول القضايا الأكثر تعقيدًا، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني.
ورغم الأجواء الإيجابية التي تحدثت عنها الأطراف المشاركة والوسطاء، فإن الطريق نحو اتفاق شامل لا يزال مليئًا بالعقبات، خاصة مع وجود ملفات حساسة تم تأجيل بحثها إلى مراحل لاحقة من المفاوضات.
قطر تتحدث عن تقدم إيجابي
أعلنت قطر، التي تلعب دور الوسيط إلى جانب باكستان، أن الاجتماعات المنفصلة التي عقدت بين الوفدين الأمريكي والإيراني في الدوحة أسفرت عن نتائج إيجابية، خاصة فيما يتعلق بالقضايا المرتبطة بمذكرة التفاهم التي جرى توقيعها في العاصمة الباكستانية إسلام أباد.
وأوضح المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية، ماجد الأنصاري، أن المحادثات شهدت تقدمًا في عدد من النقاط الفنية، مؤكدًا اتفاق الأطراف على استكمال المناقشات خلال الفترة المقبلة، مع تحديد موعد جديد للجولة القادمة بعد انتهاء مراسم تشييع المرشد الأعلى الإيراني السابق علي خامنئي.
ويعكس هذا الإعلان رغبة الجانبين في الحفاظ على قنوات التواصل مفتوحة، رغم التعقيدات السياسية والأمنية التي ما زالت تلقي بظلالها على العلاقة بين البلدين.
ترامب: المفاوضات تسير بشكل جيد
من جانبه، أبدى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تفاؤلًا حذرًا بشأن نتائج المحادثات، مشيرًا إلى أن الجهود الرامية إلى فرض قيود على البرنامج النووي الإيراني تحقق تقدمًا ملموسًا.
وقال ترامب للصحفيين إن الاجتماعات الأخيرة كانت "جيدة للغاية"، معربًا عن أمله في الوصول إلى نتائج عملية خلال الفترة المقبلة.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تحاول فيه الإدارة الأمريكية الموازنة بين خيار التفاوض والضغوط العسكرية، خاصة بعد أشهر من التوترات التي شهدتها المنطقة.
الملف النووي.. الغائب الحاضر

ورغم حديث واشنطن عن إحراز تقدم في ملف البرنامج النووي، كشفت مصادر مطلعة أن القضية النووية لم تكن مطروحة بشكل مباشر خلال الجولة الأخيرة من المحادثات، التي ركزت بشكل أساسي على الجوانب الفنية والتنفيذية المتعلقة بمذكرة التفاهم.
كما أشار نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس إلى أن ملف الأنشطة النووية الإيرانية ما زال مصدر قلق رئيسي للإدارة الأمريكية، مؤكدًا أن المناقشات بشأنه ستبدأ في مرحلة لاحقة.
ويعكس هذا التباين بين التصريحات السياسية وما يجري داخل غرف التفاوض حجم التعقيد الذي يحيط بالملف النووي، والذي لا يزال يمثل العقبة الأكبر أمام أي اتفاق نهائي بين الطرفين.
غياب الشخصيات الرئيسية يثير التساؤلات
ولفت مراقبون إلى غياب عدد من الشخصيات الأمريكية البارزة عن جلسات الدوحة، من بينهم جاريد كوشنر والمبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، رغم الحديث عن مشاركتهما في جهود دبلوماسية رفيعة المستوى بالمنطقة.
ويرى محللون أن هذا الغياب قد يكون مؤشرًا على أن الجولة الحالية تركز على الجوانب الفنية والإجرائية، بينما تُترك الملفات السياسية الكبرى لجولات لاحقة قد تشهد مشاركة مباشرة من صناع القرار.
مضيق هرمز في قلب التفاهمات

من أبرز القضايا التي تناولتها المفاوضات ملف الملاحة البحرية في مضيق هرمز، الذي يُعد أحد أهم الممرات الاستراتيجية لنقل النفط والغاز في العالم.
وينص الاتفاق الأولي بين الجانبين على استئناف حركة الملاحة عبر المضيق، الذي كان يمر من خلاله نحو خُمس صادرات الطاقة العالمية قبل اندلاع التوترات الأخيرة.
ورغم عودة الحركة البحرية بشكل جزئي، فإن المخاوف لا تزال قائمة بشأن أمن الممر المائي، خصوصًا بعد تبادل الهجمات بين الطرفين خلال الأيام الماضية، بما في ذلك استهداف سفينة شحن إثر هجوم إيراني.
مهلة 60 يومًا.. هل تكفي؟
وبحسب مذكرة التفاهم الموقعة بين الطرفين، منح الجانبان نفسيهما مهلة تمتد إلى 60 يومًا للتوصل إلى اتفاق نووي شامل يعالج القضايا الخلافية الرئيسية.
لكن بعد مرور أسبوعين فقط من بدء هذه المهلة، ما زالت الخلافات قائمة حتى بشأن بعض بنود المذكرة نفسها، وهو ما يثير تساؤلات حول إمكانية الوصول إلى اتفاق نهائي خلال الفترة الزمنية المحددة.
ويرى خبراء أن نجاح المفاوضات يتطلب تجاوز ملفات شائكة تتعلق بمستقبل البرنامج النووي الإيراني، وآليات الرقابة الدولية، والعقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران، فضلًا عن الترتيبات الأمنية في المنطقة.
تراجع احتمالات المواجهة العسكرية
في المقابل، تشير المؤشرات السياسية إلى تراجع احتمالات العودة إلى مواجهة عسكرية واسعة بين الولايات المتحدة وإيران في الوقت الراهن.
فبحسب مصادر أمريكية، طلب الرئيس ترامب خلال الأيام الماضية مراجعة الخيارات العسكرية المتاحة للتعامل مع إيران، إلا أنه فضّل في النهاية منح المسار الدبلوماسي فرصة إضافية قبل اتخاذ أي خطوات تصعيدية.
كما أكد ترامب أن إيران "قطعت شوطًا طويلًا" في مسار التفاهمات الجارية، ما يعكس رغبة متبادلة في تجنب الانزلاق نحو صراع جديد قد يهدد استقرار المنطقة ويؤثر على أسواق الطاقة العالمية.
بين التفاؤل والحذر
ورغم الأجواء الإيجابية التي صاحبت محادثات الدوحة، فإن المفاوضات لا تزال في مرحلة حساسة تتطلب معالجة ملفات معقدة ومتشابكة. وبينما تتحدث الأطراف عن تقدم ملموس في بعض الجوانب، تبقى القضايا الكبرى، وعلى رأسها البرنامج النووي الإيراني، مؤجلة إلى جولات لاحقة قد تكون حاسمة في تحديد مستقبل العلاقة بين واشنطن وطهران.
ومع استمرار مهلة الستين يومًا، يترقب المجتمع الدولي ما إذا كانت هذه المحادثات ستقود إلى اتفاق شامل يخفف حدة التوتر في الشرق الأوسط، أم أن الملفات "المفخخة" ستعيد الأزمة إلى نقطة الصفر من جديد.