مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

بوساطة قطرية وباكستانية.. جهود جديدة لاحتواء التصعيد بين واشنطن وطهران

نشر
الأمصار

تشهد العاصمة القطرية الدوحة جولة جديدة من التحركات الدبلوماسية الهادفة إلى احتواء التوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران، حيث انطلقت محادثات فنية غير مباشرة بين وفدين من الجانبين بوساطة مشتركة من قطر وباكستان، في محاولة للحفاظ على التهدئة والبناء على وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه مؤخرًا بعد فترة من التصعيد العسكري وتبادل الهجمات.

وتأتي هذه الجولة في توقيت بالغ الحساسية، في ظل استمرار حالة من الحذر وعدم اليقين بشأن مستقبل العلاقات بين واشنطن وطهران، خاصة مع تعقد الملفات الأمنية والسياسية والنووية، وهو ما يجعل هذه المحادثات الفنية خطوة مهمة لتهيئة الأجواء أمام أي تحركات دبلوماسية أوسع خلال المرحلة المقبلة.

 انطلاق المحادثات الفنية في الدوحة

بحسب مصادر مطلعة، تُعقد المحادثات الفنية بصورة غير مباشرة داخل العاصمة القطرية الدوحة، حيث يجري التواصل بين الوفدين عبر الوسطاء دون عقد لقاءات مباشرة بين المسؤولين الأمريكيين والإيرانيين.

وتركز الاجتماعات الحالية على مناقشة ملفات تقنية وإجرائية تهدف إلى تثبيت إجراءات التهدئة، ومعالجة بعض القضايا العالقة التي قد تمهد الطريق أمام استئناف مسار التفاوض السياسي في وقت لاحق.

وتلعب قطر دورًا محوريًا في استضافة هذه الجولة، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة مع الطرفين، فيما تشارك باكستان في جهود الوساطة لدعم المساعي الرامية إلى تقليص فجوة الخلافات وتعزيز فرص الحوار.

لقاءات تمهيدية قبل بدء المفاوضات

وقبيل انطلاق الاجتماعات الفنية، عقد المبعوثان الأمريكيان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر لقاءً مع رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، وذلك من أجل مناقشة الترتيبات التنظيمية والإجرائية الخاصة بجولة المفاوضات.

وأوضحت المصادر أن اللقاء اقتصر على الجوانب المتعلقة بتنسيق سير المحادثات وآليات التواصل بين الوسطاء والوفود المشاركة، دون أن يشارك المبعوثان الأمريكيان بصورة مباشرة في الجلسات الفنية المنعقدة بين ممثلي الجانبين.

ويعكس هذا التحرك حرص الولايات المتحدة على توفير الدعم السياسي للمسار التفاوضي مع ترك إدارة التفاصيل الفنية لفرق التفاوض المختصة.

تقدم في المسار التقني

في السياق ذاته، أشارت تقارير نقلًا عن مسؤول رفيع في الإدارة الأمريكية إلى أن المحادثات التي أجراها المفاوضون الأمريكيون مع مسؤولين إقليميين في قطر اتسمت بالإيجابية، وأسفرت عن إحراز تقدم في بعض الملفات التقنية التي يجري بحثها مع الجانب الإيراني.

وأوضح المسؤول أن المناقشات الحالية تركز على إجراءات عملية من شأنها تخفيف حدة التوتر بين البلدين، والعمل على منع العودة إلى دائرة التصعيد العسكري التي شهدتها المنطقة خلال الفترة الماضية.

وأضاف أن التقدم المحقق حتى الآن لا يعني الوصول إلى اتفاق شامل، لكنه يمثل خطوة مهمة للحفاظ على قنوات الاتصال المفتوحة، بما يسمح بمواصلة الحوار حول الملفات الأكثر تعقيدًا.

 جهود لتثبيت وقف إطلاق النار

تأتي هذه الجولة من المحادثات بعد فترة شهدت تبادل هجمات بين الولايات المتحدة وإيران، وهو ما أثار مخاوف واسعة من احتمال اندلاع مواجهة إقليمية أوسع قد تمتد آثارها إلى منطقة الشرق الأوسط بأكملها.

وبحسب المسؤول الأمريكي، فإن الهدف الرئيسي للمفاوضات الحالية يتمثل في تثبيت وقف إطلاق النار الذي تم الاتفاق عليه مؤخرًا، ومنع أي تطورات قد تؤدي إلى انهياره، خاصة في ظل استمرار حالة التوتر وعدم الثقة بين الطرفين.

كما تسعى المباحثات إلى وضع آليات للتعامل مع أي حوادث أو تطورات ميدانية قد تحدث مستقبلًا، بما يضمن احتواء الأزمات قبل تحولها إلى مواجهات عسكرية جديدة.

عودة المبعوثين الأمريكيين إلى الدوحة

وأكدت المصادر أن ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر عادا إلى العاصمة القطرية للمشاركة في الجهود السياسية المصاحبة للمحادثات، بعد التوصل إلى اتفاق وقف الهجمات المتبادلة خلال الفترة الأخيرة.

وتشير هذه العودة إلى اهتمام الإدارة الأمريكية بمتابعة تطورات الحوار عن قرب، رغم أن المفاوضات الفنية نفسها تُدار بواسطة فرق متخصصة من مستويات تفاوضية أقل.

ويرى مراقبون أن وجود المبعوثين في الدوحة يمنح الوسطاء مرونة أكبر في نقل الرسائل السياسية بين الطرفين، ويساعد على تسريع اتخاذ القرارات حال التوصل إلى تفاهمات جديدة.

 قطر تخفض سقف التوقعات

في المقابل، حرص مسؤولون قطريون على التأكيد أن الجولة الحالية لا ينبغي تحميلها أكثر مما تحتمل، موضحين أن الاجتماعات تقتصر على المستوى الفني، ولن تتضمن لقاءات مباشرة بين كبار المسؤولين الأمريكيين ونظرائهم الإيرانيين.

ويعكس هذا الموقف رغبة الدوحة في إدارة التوقعات بصورة واقعية، خاصة في ظل تعقيد الملفات المطروحة، وعدم وجود مؤشرات على قرب عقد مفاوضات سياسية مباشرة بين الجانبين.

كما شدد المسؤولون على أن نجاح هذه الجولة سيقاس بمدى قدرتها على الحفاظ على قنوات التواصل واستمرار الحوار، وليس بإبرام اتفاقات كبرى خلال وقت قصير.

المفاوضات عبر ممثلين من مستويات أدنى

وأشار المسؤول الأمريكي إلى أن التقدم الحالي يتحقق من خلال عمل ممثلين وخبراء فنيين من مستويات تفاوضية أدنى، يتولون مناقشة القضايا التقنية بعيدًا عن الضغوط السياسية والإعلامية.

ويُعد هذا الأسلوب أحد النماذج التي تُستخدم في النزاعات المعقدة، حيث يسمح بإحراز تقدم تدريجي في الملفات الفنية قبل الانتقال إلى القضايا السياسية الكبرى التي تحتاج إلى قرارات على أعلى المستويات.

ويرى خبراء العلاقات الدولية أن هذا النهج قد يسهم في بناء قدر من الثقة بين الطرفين إذا ما استمرت الاجتماعات في تحقيق نتائج إيجابية.

 أهمية الوساطة القطرية والباكستانية

برزت قطر خلال السنوات الأخيرة باعتبارها إحدى أهم الدول الوسيطة في العديد من الأزمات الإقليمية والدولية، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة مع مختلف الأطراف، وهو ما جعلها تستضيف العديد من جولات الحوار بين الولايات المتحدة وإيران.

كما تمثل مشاركة باكستان في جهود الوساطة عنصرًا داعمًا للمسار التفاوضي، في ظل علاقاتها مع عدد من الأطراف الإقليمية، وقدرتها على المساهمة في تقريب وجهات النظر بشأن بعض الملفات.

ويؤكد مراقبون أن نجاح الوساطة يعتمد بدرجة كبيرة على استمرار التزام الطرفين بخيار الحوار، وتجنب أي خطوات قد تعيد التصعيد إلى الواجهة.

 مستقبل المفاوضات

ورغم المؤشرات الإيجابية التي تحدث عنها المسؤولون الأمريكيون بشأن سير المحادثات الفنية، فإن مستقبل المفاوضات لا يزال مرهونًا بقدرة الطرفين على تجاوز الخلافات الجوهرية التي تراكمت على مدار سنوات.

وتشير التقديرات إلى أن الجولة الحالية قد تمثل مرحلة تمهيدية لجولات تفاوض لاحقة، إذا ما نجحت في تحقيق تقدم ملموس في الملفات الفنية، وتهيئة الظروف لاستئناف الحوار السياسي بصورة أوسع.

وفي الوقت نفسه، تبقى التحديات قائمة، خاصة مع استمرار التعقيدات المرتبطة بالملفات الأمنية والنووية والإقليمية، وهو ما يجعل أي تقدم في المفاوضات خطوة تحتاج إلى دعم سياسي مستمر وإرادة حقيقية من جميع الأطراف للحفاظ على الاستقرار وتجنب العودة إلى دائرة التصعيد.