يوسف الديني يكتب: رجوع لبنانَ إلى أهله
بلغت الحالة اللبنانية مستوى من الخطورة يتجاوز مسألة الدولة داخل الدولة، وسلاح «حزب الله»، وخطابه المضاد لمنطق الدولة؛ إلى شرعنة تأرجحه بين أن يكون ملفاً تابعاً لإيران، أو ذراعاً مصطنعة تتحول إلى جزء عضوي من الجسد السياسي الإيراني، وبين الصمت على الاستباحة الإسرائيلية لحدوده الجنوبية، وكأنَّها مساحة مفتوحة للردع والاستهداف بحجة أمن إسرائيل.
رغم كارثية الواقع اللبناني، فإنَّ الخطرَ الأعمقَ ليس في تردي الأمن والاقتصاد فقط؛ بل في محاولة التعايش مع العطب الذي أصابه منذ عقود، من خلال التعامل مع «حزب الله» كتابع لإيران، أو كممثل للبنان قابل للاستهداف، وتحويل هذا العطب إلى «حقيقة» لا بدَّ من إدارتها، بينما يراد أن تموت الفكرة الأبسط: لبنان دولة ذات سيادة، لا ساحة تجريبية لمشاريع الأغيار.
قصَّة التسوية مع إيران، التي يراد إقحام لبنانَ فيها عبر اختزاله في «حزب الله»، لا ينبغي أن تضيع في زحام الاستحقاقات الضيقة. فيجب عدم قراءة أي تفاهم أميركي- إيراني جديد من نافذة الملف النووي وحده، ولا من خلال العقوبات وأمن الملاحة في مضيق هرمز. الأخطر أن يتحوَّل الاتفاقُ إلى اعتراف غير مباشر بحق إيرانَ في امتلاك امتدادات ميليشياوية داخل دول عربية ذات سيادة، بحجة توحيد الساحات، بينما كشفت الأزمة الإيرانية أنَّ الشرق الأوسط ساحة واحدة لا تنفصل معضلاتها عن فوضى التدخل السيادي، وعن الصلف الإسرائيلي أيضاً.
تضمين لبنانَ في أي اتفاق من زاوية «حزب الله» خطر على المنطقة، ولا يمكن شرعنته مهما بلغت الرغبة في الهروب منها. لأنَّ معنى ذلك تحويلُ بيروتَ -وربما عواصم أخرى لاحقاً- إلى ملفاتٍ إيرانية، وهو ما يعني أنَّ الدولَ ذات السيادة لا تعود صاحبة القرار الأول في ضبط السِّلاح واحتكار العنف، وهما من أهم أركان مفهوم الدولة الحديثة، وهذا الاستسهال التفاوضي مقلقٌ؛ ليس كسلوكٍ؛ بل حتى كلغة سياسية حين يُطلب من إيرانَ تقديم ضمانات حول سلوك «حزب الله» بدل إنهاء تبعيته.
لم تكن محاولاتُ إيرانَ وإسرائيلَ تحويل لبنانَ إلى ساحة حرب بالوكالة ممكنة، لولا الهشاشة اللبنانية، وهي هشاشة لم تبدأ في السابع من أكتوبر (تشرين الأول)؛ بل تعود إلى اتفاق القاهرة عام 1969، مع تبرير انتهاكِ «منظمة التحرير الفلسطينية» للسيادة، وفتح أبواب فوضى السِّلاح الخارج عن الدولة. وحين اجتاحت إسرائيلُ لبنان عام 1982 لإخراج «منظمة التحرير»، كانَ ذلك إيذاناً بولادة مشوهة لذراع إيرانية أكثر تعقيداً وتوغلاً في الداخل.
ومنذ اجتياح 1982، ثم حرب 2006، وصولاً إلى التصعيد بعد السابع من أكتوبر، أثبتت النظرة الحربية ومحاولة محو هذه الكيانات خارج السياسة أنَّها غير واقعية. صحيح أنَّ إسرائيل تستطيع الحد من ترسانة «حزب الله»، وتصفية قادته، وضرب بناه العسكرية، ولكنها لا تستطيع خارج أقواس السياسة والتفاوض استعادة لبنان أو بناء الدولة. بل إنَّ الإفراط في الاستهداف العبثي يمنح سردية الحزب قُبلة حياة، ويعيد التحشيد إلى أجيال في الجنوب لم تعد تتذكر طعم الاطمئنان.
المفارقة أنَّ التحدثَ عن الأذرع كجزء من الجسد الإيراني هو تحول غير منطقي بعد الفشل الوظيفي لهذه الكيانات. فقد راهنت طهرانُ طويلاً على أن «حزب الله» والميليشيات العراقية والحوثيين و«حماس» خطوط دفاعها المتقدمة، ولكن الحروب الأخيرة أثبتت أن تلك الأذرع لم تعد قادرة على إنتاج الرَّدع كما تخيلته طهران. «حماس» خرجت منهكة، و«الحزب» تلقَّى ضرباتٍ موجعة طالت أهم قياديه، وبقية الأذرع راوحت عند هامش وحدود الرغبة في البقاء، وبقي الضرر الحقيقي الذي تتجرعه الدول إلى اليوم، وهو أنَّ تلك الكيانات استبدلت بوظيفة الردع تأزيم الداخل وتعطيل الدولة، وهذا ما يفسر قدرة «الحزب» على الوقف كحجر عثرة طوال هذه السنوات أمام مشروع استعادة الدولة اللبنانية.
الواقعية التي يتم التذرع بها بلُغة سياسية هي رهن للبنان بكل تنوعه ومقدراته لأن يكون أسيراً بين الاستتباع الإيراني والصلف الإسرائيلي، وأي تفاوض على بقاء هذه الحالة خطير وله تبعاته على المنطقة. صحيح جداً أنَّ نزع سلاح «الحزب» وإدارته سياسياً ملف شاق جداً، ولكن صعوبتَه لا تبرر الاستسلام له، ولا الانشغال بأعراض الداء العضال بحجة أنَّه لا شفاء منه.
لا تكفي مطالبة إيران وإسرائيل بالخروج من لبنان أو احترام سيادته. الأهم أنْ يخرج لبنانُ من مخيال طهرانَ كساحة نفوذ، ومن مخيال إسرائيلَ كمنطقة عازلة قابلة للانفجار، ومن تدخلات القوى الدولية التي تحاول استغلالَه كورقة في صفقة أكبر.
بعد الاتفاق الهش لم تعدِ الحرب ومآسيها أخطر تحديات اليوم التالي. الأخطر أن يُطَبِّع العالم مع هذه التشوهات السياسية التي تنتهك سيادة الدول، وتقامر بمصائر العباد والبلاد.
(نقلًا عن صحيفة الشرق الأوسط)