مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

مبادرات دولية متوازية تنعش آمال تسوية الأزمة الليبية

نشر
الأمصار

تشهد الساحة الليبية خلال الفترة الحالية حراكاً سياسياً مكثفاً يعكس تزايد الجهود المحلية والدولية الرامية إلى إنهاء حالة الانقسام السياسي والمؤسسي التي تعيشها البلاد منذ سنوات.

 وقد برزت خلال الأسابيع الأخيرة مجموعة من المبادرات والمسارات السياسية التي تستهدف الوصول إلى تسوية شاملة للأزمة، وسط حالة من التفاؤل الحذر بشأن إمكانية تحقيق تقدم حقيقي نحو الاستقرار.

وجاء هذا الزخم السياسي بعد انتهاء أعمال لجنة الحوار المهيكل التي رعتها الأمم المتحدة، إلى جانب التحركات الأمريكية المتصاعدة، فضلاً عن التفاهمات التي أعلنتها المؤسسات السياسية الليبية الرئيسية بشأن مستقبل العملية السياسية والانتخابية. ورغم أن هذه المبادرات تتفق جميعها على ضرورة إنهاء الأزمة، فإنها تختلف في آليات التنفيذ والأدوات المستخدمة لتحقيق هذا الهدف.

وشكلت مخرجات لجنة الحوار المهيكل التي اختتمت أعمالها في العاصمة الليبية طرابلس خلال شهر يونيو الجاري نقطة انطلاق جديدة للنقاش السياسي داخل ليبيا. وقد تضمنت التوصيات المقترحة تشكيل حكومة جديدة لإدارة مرحلة انتقالية تتراوح مدتها بين 18 و24 شهراً، مع وضع ضوابط محددة لأعضاء السلطة التنفيذية، بما يضمن عدم استغلال المرحلة الانتقالية لتحقيق مكاسب انتخابية مستقبلية.

كما تضمنت التوصيات الإبقاء على صيغة المجلس الرئاسي الحالي المكون من رئيس ونائبين، مع منح المجلس صلاحيات أوسع في بعض الملفات السيادية، في إطار رؤية تهدف إلى إعادة تنظيم مؤسسات الدولة وتهيئة الظروف اللازمة لإجراء انتخابات عامة تنهي المراحل الانتقالية المتعاقبة.

وحظيت هذه المخرجات باهتمام واسع داخل الأوساط السياسية الليبية، حيث اعتبرها بعض المراقبين خطوة إيجابية نحو إشراك شرائح أوسع من المجتمع الليبي في رسم مستقبل البلاد، خاصة أن الحوار ضم ممثلين عن مختلف المناطق والفئات الاجتماعية، بما في ذلك الشباب والنساء والمكونات الثقافية المختلفة.

في المقابل، أبدت أطراف سياسية أخرى تحفظات على هذه التوصيات، معتبرة أنها لا تقدم حلولاً جديدة بقدر ما تعيد طرح أفكار سبق مناقشتها خلال جولات سياسية سابقة لم تنجح في إنهاء الأزمة. وترى هذه الأطراف أن التحدي الحقيقي لا يكمن في صياغة مبادرات جديدة، بل في القدرة على تنفيذها على أرض الواقع.

وتبرز قضية تشكيل الحكومة الجديدة باعتبارها واحدة من أكثر الملفات تعقيداً، نظراً لما قد تثيره من خلافات بين المؤسسات القائمة حالياً. فبعض القوى السياسية قد تنظر إلى أي حكومة انتقالية جديدة باعتبارها تهديداً لمواقعها ونفوذها، وهو ما قد يخلق عقبات أمام تنفيذ التوصيات المطروحة.

وفي محاولة لتقريب وجهات النظر، أعلنت المؤسسات الليبية الرئيسية، وهي مجلس النواب الليبي والمجلس الأعلى للدولة الليبي والمجلس الرئاسي الليبي، التوصل إلى تفاهم يقضي بإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية قبل فبراير 2027. ويُنظر إلى هذا الاتفاق باعتباره مؤشراً إيجابياً على وجود رغبة لدى الأطراف الليبية في تجاوز حالة الجمود السياسي.

وعلى المستوى الدولي، تواصل بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا جهودها لدفع العملية السياسية إلى الأمام، حيث تسعى المبعوثة الأممية هانا تيتيه إلى حشد دعم دولي لمخرجات الحوار المهيكل وتحويلها إلى أساس يمكن البناء عليه للوصول إلى تسوية سياسية شاملة.

غير أن العديد من المتابعين يشيرون إلى أن الأمم المتحدة تواجه تحديات تتعلق بطبيعة دورها، إذ تقتصر مهمتها على الوساطة والتيسير بين الأطراف المختلفة، دون امتلاك أدوات مباشرة لإلزام هذه الأطراف بتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه. ولذلك تبقى فرص نجاح أي مبادرة مرتبطة بمدى استعداد القوى الليبية لقبول التنازلات الضرورية لإنجاح العملية السياسية.

وفي موازاة المسار الأممي، برزت تحركات أمريكية نشطة تقودها الإدارة الأمريكية بهدف تقريب وجهات النظر بين الأطراف الليبية الرئيسية. وتعتمد المقاربة الأمريكية على التعامل المباشر مع مراكز النفوذ والقوى الفاعلة على الأرض، في محاولة لإيجاد تفاهمات عملية تساهم في توحيد المؤسسات وإنهاء الانقسام القائم.

ويرى مراقبون أن نجاح جهود التسوية يتطلب تنسيقاً كاملاً بين المسارين الأممي والأمريكي، بحيث تتكامل الأدوات السياسية والدبلوماسية مع النفوذ الدولي المؤثر، بما يمنع ظهور مبادرات متنافسة قد تؤدي إلى تعقيد المشهد بدلاً من حله.

وفي الوقت نفسه، لا تزال ليبيا تواجه تحديات داخلية عديدة، أبرزها تعدد مراكز القرار، والانقسام بين مؤسسات الشرق والغرب، إضافة إلى استمرار الخلافات حول القوانين الانتخابية والقاعدة الدستورية التي ستُجرى على أساسها الانتخابات المقبلة.

كما أثارت بعض التطورات المحلية الأخيرة، ومنها إعلان عدد من البلديات الليبية تأسيس كيان تنسيقي جديد تحت مسمى "إقليم الوسطى"، نقاشات واسعة حول مستقبل شكل الدولة الليبية وإمكانية تأثير مثل هذه المبادرات على وحدة البلاد وتوازناتها السياسية والإدارية.

ومع تزايد الحراك السياسي والدبلوماسي، تبدو ليبيا أمام فرصة جديدة لإحياء مسار التسوية السياسية، إلا أن نجاح هذه الفرصة سيظل مرهوناً بقدرة الأطراف الليبية على تجاوز خلافاتها، وتغليب المصالح الوطنية على الحسابات الضيقة، إلى جانب استمرار الدعم الدولي والإقليمي للمسار السياسي بما يضمن الوصول إلى انتخابات شاملة واستقرار دائم للبلاد.