مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

7 سنوات في السلطة.. كيف يتحدث البرهان عن مستقبل السودان؟

نشر
الأمصار

في بلد أنهكته الحرب وتراكمت فوقه طبقات من الإخفاقات السياسية، تبدو دعوة عبد الفتاح البرهان إلى انتقال جديد أقرب إلى مفارقة سياسية متكررة، إذ تصدر عن رجل كان في قلب السلطة طوال سبع سنوات، وأسهم بشكل مباشر في تشكيل المسار الذي قاد السودان إلى لحظته الراهنة.

 فحين يتحدث البرهان عن مستقبل مدني ديمقراطي، فإن خطابه لا يُقرأ بوصفه طرحاً تأسيسياً، بل محاولة لإعادة صياغة دوره داخل أزمة كان أحد أبرز صُنّاعها.

تاريخياً، لم تكن الوعود السياسية في السودان نادرة، فمنذ سقوط نظام البشير، تعاقبت المبادرات والوثائق الدستورية والاتفاقات، وكلها حملت عنواناً مشتركاً: بداية جديدة.

 لكن هذه البدايات لم تفضِ إلى انتقال مستقر، بل إلى حرب أعادت طرح الأسئلة نفسها بصيغة أكثر عنفاً. ويستعيد كثيرون تجربة “حوار الوثبة” عام 2014 بوصفها نموذجاً تحذيرياً لمبادرات تُطرح دون إرادة حقيقية للتغيير، وتنتهي إلى إعادة إنتاج الأزمة بدلاً من حلّها.

ويرى القيادي في حزب البعث وجدي صالح أن ما جرى منذ 2019 لم يكن سلسلة أخطاء معزولة، بل مساراً ذا منطق داخلي، تقوده قيادات عسكرية “لم تؤمن بالتحول الديمقراطي”، وسعت إلى تعطيل الحكومة المدنية وإظهارها عاجزة، تمهيداً للانقلاب الذي وقع في 25 أكتوبر 2021. 

ويعتبر صالح أن هذا الانقلاب كان نقطة التحول التي مهّدت الطريق للحرب الحالية، وأن أي عملية سياسية جادة يجب أن تبدأ بوقف الحرب وحصر دور الجيش في مهامه المهنية، وإنهاء ظاهرة تعدد الجيوش.

وتكتسب دعوة البرهان للحوار معناها السياسي من توقيتها بقدر ما تكتسبه من مضمونها، فالإعلان جاء بعد مكاسب عسكرية في الخرطوم ووسط البلاد، ما جعل المؤسسة العسكرية أكثر ثقة في موقعها. ولذلك يقرأ كثيرون المبادرة باعتبارها محاولة لإضفاء إطار سياسي على تحولات الميدان، لا مراجعة للمسار الذي قاد إلى الحرب. 

ويؤكد نجم الدين دريسة، الناطق باسم القوى المدنية المتحدة، أن وقف إطلاق النار “شرط سابق على أي حوار”، وأن الحرب لا يمكن حسمها عسكرياً، ما يجعل الدعوة الحالية متناقضة مع واقع القتال المستمر.

وتتعمق المفارقة حين يتحدث البرهان عن “عملية سياسية سودانية خالصة”، في وقت تجاوزت فيه الحرب حدود الداخل منذ أبريل 2023، وتحولت إلى ساحة تتقاطع فيها مصالح إقليمية ودولية، من أمن البحر الأحمر إلى شبكات الذهب والهجرة. ويشير شريف محمد عثمان، القيادي في تحالف صمود، إلى أن أي معالجة جادة يجب أن تأخذ في الاعتبار دور الأطراف الخارجية الأكثر تأثيراً، لأن استبعادها يتجاهل واقعاً مفروضاً على الأرض.

لكن التحدي الأكبر لا يتعلق فقط بمن يدعو إلى الحوار، بل بمن يملك شرعية التحدث باسم السودان. فالحرب أعادت تشكيل الخريطة السياسية والاجتماعية: ملايين النازحين، مناطق خارج سيطرة الدولة، قوى مدنية أعادت تنظيم نفسها داخل البلاد وخارجها، وفاعلون جدد نشأوا من غرف الطوارئ واللجان المجتمعية. وتقول الدكتورة أسماء النعيم إن أي عملية سياسية تتجاوز هذه الأطراف “ستواجه صعوبة في إنتاج سلام مستدام”.

ويظل سؤال الشرعية حاضراً في خلفية النقاش كله. فالبرهان يسيطر على مؤسسات الدولة ويقود الجيش، لكن الشرعية السياسية لا تُقاس بالسيطرة وحدها في بلد يعيش عامه الرابع من الحرب. ويشير كمال عمر، القيادي في المؤتمر الشعبي، إلى أن البرهان وحميدتي كانا جزءاً من المنظومة التي قادت البلاد إلى الوضع الراهن، ما يجعل الدعوة الحالية امتداداً لمحاولات سابقة لإعادة إنتاج شرعية السلطة. ويضيف أن أي حوار حقيقي يجب أن يُدار في ظل سلطة انتقالية مدنية.

ويرى دريسة أن سجل السنوات السبع الماضية، بما فيه من “مراوغة وانتهاكات ونقض للعهود”، يجعل كثيراً من القوى السياسية تنظر إلى المبادرة بعين الشك. أما شريف عثمان فيعتبر أن الدعوة تهدف إلى تعزيز شرعية السلطة القائمة أكثر مما تهدف إلى إنهاء الحرب.

ومع ذلك، يتفق الجميع على أن السودان يحتاج إلى عملية سياسية توقف الحرب وتفتح الطريق أمام تسوية أوسع. لكن السؤال لم يعد ما إذا كان الحوار ضرورياً، بل كيف يمكن التحقق من جديته. وتؤكد أسماء النعيم أن نجاح أي مبادرة يتوقف على خطوات ملموسة: وقف الحرب، حماية المدنيين، إيصال المساعدات، ثم بناء الثقة قبل أي عملية سياسية.

وفي نهاية المطاف، تبدو دعوة البرهان اختباراً جديداً في حلقة سياسية مغلقة. فالرجل الذي يطرح اليوم انتقالاً جديداً ليس وافداً على التجربة، بل أحد أبرز الفاعلين فيها منذ 2019. ولذلك لن تُقاس المبادرة بما تعد به، بل بقدرتها على كسر الحلقة التي ظل السودان يدور داخلها لسنوات، لا إعادة تدويرها بصيغة جديدة.