مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

الخليل على حافة التصعيد.. قرار إسرائيلي يعيد تشكيل معادلة السيطرة ويفجّر جدلاً واسعاً

نشر
الأمصار

تشهد مدينة الخليل في جنوب الضفة الغربية واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ سنوات، بعد قرار إسرائيلي جديد يقضي بسحب صلاحيات التخطيط والبناء من بلدية الخليل الفلسطينية في المناطق المرتبطة بالمستوطنات والمواقع الدينية، ونقلها إلى جهات تخطيط إسرائيلية تابعة للإدارة المدنية.

القرار، الذي تزامن مع المصادقة على بناء مئات الوحدات الاستيطانية الجديدة داخل المدينة ومحيطها، فتح الباب أمام موجة واسعة من الجدل السياسي والقانوني، وسط تحذيرات فلسطينية من أن الخطوة تمثل تحولاً خطيراً في إدارة واحدة من أكثر المدن الفلسطينية تعقيداً وحساسية.

وبينما تعتبره أطراف فلسطينية “استهدافاً مباشراً للسيادة المحلية ومحاولة لإعادة رسم الواقع الديموغرافي”، تراه جهات إسرائيلية خطوة تنظيمية مرتبطة بما تصفه بـ”الاحتياجات الأمنية والإدارية” في مناطق النزاع.

تفاصيل القرار الإسرائيلي: نقل الصلاحيات من البلديات إلى الإدارة المدنية

ووفقاً لتقارير صادرة عن جهات حقوقية إسرائيلية، فإن المجلس الأعلى للتخطيط التابع للإدارة المدنية قرر في 10 يونيو/حزيران الجاري سحب صلاحيات التخطيط والبناء من بلدية الخليل الفلسطينية في كل ما يتعلق بالمستوطنات الإسرائيلية داخل المدينة وبعض المواقع الدينية الحساسة.

وبموجب القرار، أصبحت جميع المشاريع المرتبطة بالبناء الاستيطاني، إضافة إلى البنية التحتية للمستوطنين، تُدار مباشرة عبر منظومة التخطيط الإسرائيلية دون الرجوع إلى البلدية الفلسطينية.

كما شمل القرار نقل الصلاحيات إلى جهات مختصة بإدارة شؤون المستوطنات، بما في ذلك مناطق تعتبرها إسرائيل ذات أهمية دينية وتاريخية، مثل محيط الحرم الإبراهيمي ومواقع أثرية مرتبطة بالرواية اليهودية في المدينة.

وفي خطوة متزامنة، صادقت السلطات الإسرائيلية على بناء 576 وحدة استيطانية جديدة في الضفة الغربية، بينها مشاريع داخل قلب الخليل، ما اعتُبر تصعيداً عمرانياً يحمل أبعاداً سياسية واضحة.

جذور القرار: بين اتفاقات قديمة وواقع جديد على الأرض

وتشير تقارير حركة “السلام الآن” الإسرائيلية إلى أن القرار لا يأتي بمعزل عن سلسلة خطوات متراكمة بدأت منذ سنوات، تهدف تدريجياً إلى إعادة توزيع الصلاحيات في الضفة الغربية لصالح الإدارة الإسرائيلية.

وبحسب الحركة، فإن اتفاق الخليل الموقع عام 1997 كان يمنح بلدية الخليل دوراً محورياً في إدارة الشؤون المدنية حتى في المناطق التي تخضع لسيطرة أمنية إسرائيلية جزئية، خاصة في البلدة القديمة.

لكن القرار الجديد، وفقاً للمعترضين عليه، يُعد تحولاً جذرياً، إذ ينقل فعلياً صلاحيات التخطيط في مناطق حساسة من الإدارة الفلسطينية إلى الإدارة الإسرائيلية، بما يشمل مشاريع استيطانية ومواقع دينية.

وترى “السلام الآن” أن هذا التطور يندرج ضمن سياسة أوسع لإعادة تشكيل السيطرة المدنية في الضفة الغربية، بما يضعف البنية المؤسسية الفلسطينية في المدينة ويحد من قدرتها على إدارة شؤونها العمرانية.

الخليل: مدينة مقسّمة تحت ضغط الجغرافيا والسياسة

تُعد الخليل حالة فريدة داخل الضفة الغربية، حيث قُسمت بموجب اتفاقات سابقة إلى منطقتين رئيسيتين:

  • H1: تخضع للسيطرة الفلسطينية الكاملة.
  • H2: تخضع لسيطرة أمنية إسرائيلية مع إدارة مدنية فلسطينية محدودة.

هذا التقسيم جعل المدينة تعيش واقعاً مركباً تتداخل فيه الصلاحيات بشكل شديد التعقيد، خصوصاً في البلدة القديمة ومحيط الحرم الإبراهيمي، حيث يختلط الوجود الفلسطيني بالاستيطان الإسرائيلي بشكل مباشر.

ومع القرار الجديد، يرى مراقبون أن ميزان السيطرة يميل أكثر نحو تعزيز النفوذ الإسرائيلي في الجوانب المدنية والتنظيمية، ما قد يؤدي إلى تغييرات طويلة الأمد في البنية العمرانية والديموغرافية للمدينة.

وجاءت ردود الفعل الفلسطينية سريعة وحادة، حيث اعتبرت بلدية الخليل أن القرار يشكل انتهاكاً مباشراً لصلاحياتها التاريخية والقانونية، مؤكدة أنها الجهة الشرعية المسؤولة عن إدارة المدينة وخدماتها.

وقال رئيس البلدية يوسف الجعبري إن الخليل “لن تتخلى عن حقها في إدارة شؤونها”، مشدداً على أن البلدية ستواصل العمل لحماية حقوق السكان وتعزيز صمودهم في مواجهة الضغوط المتزايدة.

كما حذرت السلطات الفلسطينية من أن القرار يستهدف بشكل خاص البلدة القديمة والحرم الإبراهيمي، وهما من أكثر المواقع حساسية دينية وسياسية في الضفة الغربية.

ومن جهته، اعتبر محافظ الخليل خالد دودين أن الخطوة الإسرائيلية تمثل جزءاً من سياسة “فرض الأمر الواقع”، مؤكداً أن المدينة “أرض محتلة لا تخضع لقرارات أحادية”.

أما وزارة الأوقاف الفلسطينية، فأكدت أن الحرم الإبراهيمي وقف إسلامي خالص، وأن أي محاولة لتغيير وضعه الإداري أو العمراني تمثل مساساً مباشراً بالهوية الدينية والتاريخية الفلسطينية.

الموقف الإسرائيلي: بين البعد الديني والرؤية السياسية

وفي المقابل، لاقى القرار ترحيباً من مجلس المستوطنات في الضفة الغربية، الذي اعتبره خطوة “تاريخية طال انتظارها”، تعزز الوجود الإسرائيلي في مدينة ذات رمزية دينية كبرى.

ويستند هذا الموقف إلى رؤية تعتبر الخليل مدينة ذات جذور توراتية وتاريخية مرتبطة بالتراث اليهودي، ما يبرر – وفق هذا الطرح – توسيع البنية الاستيطانية فيها.

كما يرى بعض المسؤولين الإسرائيليين أن القرار لا يلغي الاتفاقات السابقة، بل يعيد تنظيم آلية إدارة التخطيط بما يتناسب مع الواقع الأمني والسياسي الحالي.

في المقابل، داخل إسرائيل نفسها، تبرز انتقادات من أطراف سياسية وحقوقية تعتبر أن هذه الخطوة قد تؤدي إلى مزيد من التوتر في الضفة الغربية وتضعف فرص أي تسوية مستقبلية.

البعد القانوني: صراع تفسيرات حول اتفاق الخليل

يرتكز الجدل القانوني حول القرار على بروتوكول الخليل الموقع عام 1997، الذي قسّم المدينة وحدد آليات إدارة مشتركة بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

وبحسب خبراء قانونيين، فإن أي تعديل أحادي على هذا الترتيب قد يُعد خرقاً للاتفاق، خصوصاً فيما يتعلق بصلاحيات التخطيط في المناطق المدنية.

لكن إسرائيل تطرح تفسيراً مختلفاً، يرى أن هذه الترتيبات كانت مؤقتة، وأن الظروف الأمنية الحالية تفرض إعادة تنظيم الصلاحيات بما يتماشى مع الواقع الجديد على الأرض.

هذا التباين في التفسيرات يعكس عمق الأزمة القانونية والسياسية التي تحيط بالمدينة، ويجعل الخليل واحدة من أكثر نقاط الاحتكاك حساسية في الضفة الغربية.

تداعيات استراتيجية: ما الذي يتغير على الأرض؟

لا يُنظر إلى القرار باعتباره إجراءً إدارياً فقط، بل كخطوة تحمل أبعاداً استراتيجية تتعلق بمستقبل الاستيطان في الخليل.

فمن خلال نقل صلاحيات التخطيط إلى الإدارة الإسرائيلية، تصبح عملية الموافقة على المشاريع الاستيطانية أسرع وأكثر مباشرة، دون المرور بالمؤسسات الفلسطينية.

هذا التطور قد يفتح الباب أمام توسع عمراني استيطاني أوسع داخل المدينة، وربط المستوطنات ببنية تحتية أكثر تكاملاً، ما يؤدي إلى تغييرات تدريجية في الواقع الجغرافي والديموغرافي.

كما يحذر مراقبون من أن هذا المسار قد يفاقم القيود المفروضة على حركة الفلسطينيين داخل بعض مناطق الخليل، خصوصاً في البلدة القديمة.

البلدة القديمة والحرم الإبراهيمي.. قلب التوتر المستمر

تظل البلدة القديمة والحرم الإبراهيمي محور التوتر الأساسي في الخليل، نظراً لأهميتهما الدينية لدى الفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء.

ويخشى الفلسطينيون من أن يؤدي توسع الاستيطان إلى تغيير تدريجي في الطابع التاريخي للمنطقة، عبر فرض وقائع عمرانية جديدة تقلص الوجود الفلسطيني.

كما تحذر منظمات حقوقية من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى مزيد من العزلة الاقتصادية والاجتماعية للسكان الفلسطينيين في قلب المدينة.

سيناريوهات المستقبل: إلى أين تتجه الخليل؟

أمام هذا التصعيد، تبرز عدة سيناريوهات محتملة لمستقبل الوضع في الخليل:

أولاً: ترسيخ السيطرة الإدارية الإسرائيلية

استمرار نقل الصلاحيات وتوسيع الاستيطان بما يعمق السيطرة الإسرائيلية على الجوانب المدنية.

ثانياً: تصعيد فلسطيني سياسي وشعبي

موجة احتجاجات ورفض سياسي قد تتصاعد مع استمرار الإجراءات الإسرائيلية.

ثالثاً: تدخل دولي محتمل

محاولات ضغط دبلوماسي لإعادة التفاوض حول صلاحيات الإدارة في المدينة

ويُظهر القرار الإسرائيلي الأخير أن الخليل تدخل مرحلة جديدة من إعادة تشكيل الواقع الإداري والسياسي، حيث تتداخل الاعتبارات الأمنية والدينية والسياسية في مشهد شديد التعقيد.

وبينما يتمسك الفلسطينيون بحقهم في إدارة مدينتهم ومقدساتها، تمضي إسرائيل في تعزيز وجودها الاستيطاني عبر أدوات إدارية وقانونية متدرجة.

وفي ظل هذا التوتر المتصاعد، تبقى الخليل واحدة من أكثر نقاط الصراع حساسية في الضفة الغربية، مدينة تقف على خط تماس مفتوح، ومستقبلها لا يزال مرهوناً بتطورات سياسية قد تتجاوز حدودها الجغرافية.