مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

بوتين تحت الضغط.. حرب أوكرانيا تتحول إلى اختبار مصيري للرئيس الروسي

نشر
الأمصار

مع دخول الحرب الأوكرانية مرحلة أكثر تعقيدًا، يواجه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ضغوطًا متزايدة على المستويين العسكري والاقتصادي، في ظل تصاعد الهجمات الأوكرانية داخل العمق الروسي وتراجع مؤشرات الأداء الاقتصادي، بينما يواصل الكرملين التمسك بخطاب الانتصار الوشيك.

 وبينما كانت الحرب تُقدَّم في بدايتها باعتبارها معركة لتعزيز النفوذ الروسي، باتت اليوم تمثل تحديًا وجوديًا لمستقبل بوتين السياسي واستقرار النظام الحاكم في موسكو.

هجمات أوكرانية تنقل المعركة إلى الداخل الروسي

شهدت الأشهر الأخيرة تصعيدًا ملحوظًا في الهجمات الأوكرانية التي استهدفت الأراضي الروسية باستخدام طائرات مسيرة متطورة، الأمر الذي أوجد واقعًا أمنيًا جديدًا لم تعتده موسكو منذ اندلاع الحرب. 

ووفقًا لما أوردته صحيفة "لوموند" الفرنسية، باتت المخاوف الأمنية تفرض نفسها على تحركات الرئيس الروسي، حيث رافقت زيارته الأخيرة إلى العاصمة الكازاخية أستانا إجراءات أمنية مشددة شملت سيارات مزودة بأنظمة تشويش ورشاشات مضادة للطائرات المسيرة، فضلًا عن إخلاء مناطق واسعة قبل وصوله.

وتسببت الضربات الأوكرانية المتكررة في إرباك خطوط الإمداد الروسية، خاصة في شبه جزيرة القرم ومناطق دونباس، كما أثرت على حركة النقل والخدمات اللوجستية، ما عزز المخاوف بشأن قدرة موسكو على حماية عمقها الاستراتيجي في ظل استمرار الحرب.

تعثر عسكري رغم وعود الحسم

على الجبهة العسكرية، تواجه القوات الروسية تحديات متزايدة تتناقض مع التصريحات الرسمية التي تتحدث عن اقتراب تحقيق الأهداف العسكرية. 

وأشارت تقديرات معهد دراسات الحرب الأمريكي إلى تباطؤ وتيرة التقدم الروسي خلال هجوم ربيع وصيف 2026، حيث لم يتجاوز متوسط المساحات التي تسيطر عليها القوات الروسية نحو 2.9 كيلومتر مربع يوميًا.

هذا التراجع فتح الباب أمام انتقادات داخلية متزايدة، خاصة بعد تداول مقاطع مصورة تسخر من إخفاق القوات الروسية في السيطرة على بعض المواقع الأوكرانية، من بينها قرية "مالا توكماتشكا". 

كما برزت أصوات من داخل النخبة الروسية تشكك في جدوى الاستراتيجية الحالية، إذ اعتبر الخبير الروسي فاسيلي كاتشين أن موسكو تستنزف مواردها في أهداف غير قابلة للتحقيق، مؤكدًا أن السيطرة الكاملة على أوكرانيا تبدو مستحيلة من الناحيتين السياسية والعسكرية.

انقسامات داخل النخبة الحاكمة

بالتوازي مع الضغوط العسكرية، تتزايد المؤشرات على وجود توترات داخل مؤسسات الدولة الروسية، وكشفت تقارير استقصائية عن تصاعد الانقسامات داخل الأجهزة الأمنية والعسكرية، خاصة بعد مقتل ثلاثة جنرالات روس في موسكو خلال عام 2025، وهي حوادث أثارت تساؤلات واسعة بشأن طبيعة الصراعات داخل دوائر السلطة.

ويرى الباحث في مركز كارنيجي أندري بيرتسيف أن روسيا تمر بأخطر مرحلة في عهد بوتين، موضحًا أن النخبة السياسية والأمنية تشعر بخيبة أمل متزايدة نتيجة تعثر المسار الدبلوماسي وفشل الرهانات على تحقيق اختراق سياسي مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وفي المقابل، يواصل التيار المؤيد للحرب الضغط باتجاه إعلان تعبئة عسكرية جديدة، وهو خيار لا يزال الكرملين يتجنب اللجوء إليه حتى الآن.

الاقتصاد الروسي يدفع ثمن الحرب

لم تعد تداعيات الحرب مقتصرة على الميدان العسكري، بل امتدت إلى الاقتصاد الروسي الذي بدأ يواجه ضغوطًا متزايدة نتيجة الإنفاق العسكري الضخم والعقوبات الغربية المستمرة، وتشير تقديرات اقتصادية إلى تباطؤ النمو الروسي خلال عام 2026 إلى نحو 0.4% فقط، في وقت تتفاقم فيه معدلات التضخم وتتزايد أزمة نقص العمالة في القطاعات المدنية.

وترى تاتيانا كاستوييفا-جان، مديرة مركز "روسيا-أوراسيا" في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية، أن بوتين أصبح أسيرًا لحرب يصعب عليه حسمها أو الانسحاب منها، معتبرة أن استمرار الصراع بدأ يقوض الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي الذي اعتمد عليه النظام الروسي طوال السنوات الماضية.

بين الصمود والتآكل.. مستقبل روسيا على المحك

ورغم هذه التحديات المتراكمة، لا تزال بعض التقديرات تشير إلى قدرة النظام الروسي على الاستمرار في المدى القريب، مستفيدًا من مؤسسات الدولة المركزية وأدوات السيطرة السياسية والإعلامية. 

إلا أن استمرار الحرب واستنزاف الموارد الاقتصادية والعسكرية يضعان موسكو أمام اختبار طويل الأمد قد يترك آثارًا عميقة على مستقبل روسيا ومكانتها الدولية.

وفي ظل استمرار الهجمات الأوكرانية وتزايد الضغوط الداخلية، تبدو حرب أوكرانيا اليوم أكثر من مجرد صراع عسكري؛ فهي معركة تحدد مستقبل القيادة الروسية واستقرار النظام السياسي الذي بناه بوتين على مدار أكثر من عقدين. 

ومع غياب مؤشرات حاسمة على نهاية قريبة للصراع، تتسع دائرة التساؤلات حول قدرة الكرملين على تحمل كلفة الحرب سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا خلال السنوات المقبلة.