رهانات كبرى.. ما المنتظر من قمة مجموعة السبع الصناعية في فرنسا؟
تتجه أنظار العالم إلى مدينة إيفيان الفرنسية التي تستضيف القمة السنوية لمجموعة الدول السبع الصناعية (G7) خلال الفترة من 15 إلى 17 يونيو 2026، في ظل ظروف دولية وإقليمية استثنائية تجعل من هذه القمة واحدة من أكثر الاجتماعات أهمية وتعقيدًا خلال السنوات الأخيرة.
ويشارك في القمة قادة الولايات المتحدة وكندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان والمملكة المتحدة، لمناقشة مجموعة واسعة من الملفات الأمنية والاقتصادية والتكنولوجية التي تشغل المجتمع الدولي.
القمة السنوية لمجموعة الدول السبع الصناعية
وتأتي القمة في وقت يشهد فيه النظام العالمي حالة من إعادة التشكل، نتيجة تصاعد التوترات الجيوسياسية، وتنامي سباقات التسلح، وتزايد التنافس بين القوى الكبرى، إلى جانب الأزمات الاقتصادية والتكنولوجية المتلاحقة. ولذلك ينظر كثير من المراقبين إلى هذه القمة باعتبارها محطة مفصلية قد تحدد ملامح التفاعلات الدولية خلال المرحلة المقبلة.
أجندة مزدحمة بالقضايا الدولية
من المتوقع أن تتصدر ملفات الأمن العالمي، والذكاء الاصطناعي، والتجارة الرقمية، وأمن الطاقة، والتحول الأخضر، وسلاسل توريد المعادن النادرة، والعلاقات مع الصين، جدول أعمال القمة.
وتسعى فرنسا، بصفتها الدولة المضيفة، إلى الدفع نحو إعادة صياغة نظام المساعدات الدولية ليصبح أكثر اعتمادًا على الشراكات الاستثمارية المستدامة، بدلًا من النماذج التقليدية القائمة على المساعدات المباشرة. كما تضع باريس قضية تنظيم الذكاء الاصطناعي ضمن أولوياتها، في ظل التسارع الكبير الذي تشهده هذه التكنولوجيا وما تفرضه من تحديات أخلاقية وأمنية واقتصادية.
وتبرز أيضًا قضية أمن الطاقة باعتبارها إحدى القضايا الملحة، خاصة مع استمرار الاضطرابات في أسواق الطاقة العالمية وتزايد المخاوف من تأثير الصراعات الإقليمية على إمدادات النفط والغاز.
خلافات داخلية تهدد وحدة المجموعة
ورغم أهمية الملفات المطروحة، فإن القمة تنعقد في ظل تباينات واضحة بين أعضاء المجموعة، خصوصًا بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين.
فمنذ عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، برزت خلافات متعددة حول عدد من القضايا الدولية، أبرزها الحرب الروسية الأوكرانية. وبينما تؤكد الدول الأوروبية ضرورة مواصلة دعم أوكرانيا ومواجهة روسيا، يرى مراقبون أن إدارة ترامب تتبنى مقاربة مختلفة تتسم بقدر أكبر من البراغماتية تجاه موسكو.
وأدى هذا التباين إلى زيادة القلق الأوروبي بشأن مستقبل الضمانات الأمنية الأمريكية للقارة الأوروبية، خاصة بعد مطالبة واشنطن الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي برفع إنفاقها الدفاعي إلى مستويات غير مسبوقة.
كما تشهد العلاقات الأمريكية الكندية توترًا ملحوظًا، في ظل التصريحات المثيرة للجدل التي أطلقها ترامب بشأن كندا، وهو ما دفع أوتاوا إلى البحث عن بدائل استراتيجية وتعزيز علاقاتها مع قوى دولية أخرى، من بينها الصين.
ويرى خبراء أن هذه الخلافات قد تنعكس بصورة مباشرة على المناقشات داخل القمة، وقد تجعل من الصعب التوصل إلى مواقف موحدة بشأن العديد من الملفات الحساسة.
سباق التسلح يعود إلى الواجهة
من بين أبرز التحديات التي ستفرض نفسها على طاولة القمة تصاعد سباقات التسلح التقليدية والنووية حول العالم.
فخلال العامين الماضيين أعلنت عدة دول كبرى، من بينها الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا واليابان وروسيا، زيادات كبيرة في ميزانيات الدفاع، في مؤشر يعكس عودة الاعتبارات العسكرية إلى صدارة الأولويات الوطنية.
ويثير هذا التوجه مخاوف متزايدة من أن يأتي على حساب الإنفاق المخصص للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، خصوصًا في الدول التي تواجه ضغوطًا مالية متزايدة.
وتزداد المخاوف مع تراجع منظومة الحد من التسلح النووي التي شكلت لعقود أحد أعمدة الاستقرار الدولي. فمع انتهاء عدد من الاتفاقيات الاستراتيجية بين موسكو وواشنطن، وتعثر الجهود الرامية إلى تجديدها، يبدو العالم أقرب إلى مرحلة جديدة من المنافسة النووية.
ويحذر محللون من أن غياب الأطر المنظمة للعلاقات النووية بين القوى الكبرى قد يزيد من احتمالات سوء التقدير أو التصعيد غير المقصود، ما يهدد الأمن الدولي بأسره.
الشرق الأوسط حاضر بقوة
لن تغيب تطورات الشرق الأوسط عن أعمال القمة، خاصة في ظل التحولات التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الماضية.
ويتابع قادة الدول السبع عن كثب المساعي الأمريكية الرامية إلى إبرام اتفاق سلام مع إيران عقب فترة من التصعيد العسكري الذي هز المنطقة. ويرى كثير من المراقبين أن أي اتفاق محتمل بين واشنطن وطهران قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التهدئة الإقليمية ويعيد رسم التوازنات السياسية والأمنية في الشرق الأوسط.
كما ستناقش القمة الأوضاع في لبنان وغزة، إضافة إلى ملفات إعادة الإعمار وآليات تمويلها، في ظل التحديات الإنسانية والاقتصادية المتزايدة التي تواجه العديد من دول المنطقة.
ومن المرجح أن تركز المناقشات على سبل منع تجدد الصراعات، وتعزيز الاستقرار الإقليمي، وضمان أمن الممرات البحرية الحيوية، وفي مقدمتها مضيق هرمز الذي يشكل شريانًا أساسيًا للتجارة والطاقة العالمية.
الصين والتنافس على قيادة الاقتصاد العالمي
تشكل العلاقة مع الصين أحد أكثر الملفات تعقيدًا بالنسبة لدول مجموعة السبع. ففي الوقت الذي تسعى فيه الدول الغربية إلى تقليل اعتمادها على الاقتصاد الصيني في بعض القطاعات الاستراتيجية، لا تزال بكين شريكًا تجاريًا لا يمكن تجاهله.
ومن المتوقع أن تبحث القمة آليات تعزيز سلاسل الإمداد البديلة، وتأمين الوصول إلى المعادن النادرة التي تعد عنصرًا أساسيًا في الصناعات التكنولوجية الحديثة والتحول نحو الطاقة النظيفة.
كما ستناقش الدول المشاركة كيفية التعامل مع التوسع الاقتصادي والتكنولوجي الصيني، وسط تباين واضح في الرؤى بين الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية بشأن مستوى التشدد المطلوب تجاه بكين.
سيناريو النجاح.. توافق يعزز الاستقرار
يرى بعض المراقبين أن القمة قد تنجح في التوصل إلى تفاهمات مشتركة حول عدد من القضايا الرئيسية، بما يساهم في تخفيف حدة التوترات الدولية وتعزيز الاستقرار العالمي.
ويستند هذا السيناريو إلى إدراك الدول السبع لحجم التحديات التي تواجه النظام الدولي، والحاجة إلى تنسيق الجهود لمواجهتها بصورة جماعية.
وفي حال تحقق هذا السيناريو، قد تخرج القمة بمبادرات مهمة تتعلق بتنظيم الذكاء الاصطناعي، وتعزيز الأمن السيبراني، ودعم التحول الأخضر، وإعادة تنشيط دور المؤسسات الدولية في إدارة الأزمات العالمية.
سيناريو الإخفاق.. الخلافات تتغلب على التوافق
في المقابل، يرى قطاع واسع من المحللين أن احتمالات الإخفاق تبدو أكبر، نتيجة التباينات المتزايدة بين أعضاء المجموعة.
فالقضايا المطروحة تتسم بدرجة عالية من الحساسية، كما أن المصالح الوطنية للدول المشاركة لا تتطابق دائمًا، خاصة فيما يتعلق بالعلاقات مع روسيا والصين، ومستقبل النظام الأمني الأوروبي، ودور المؤسسات الدولية.
وفي حال فشل القادة في تجاوز هذه الخلافات، قد تخرج القمة بنتائج محدودة لا ترقى إلى حجم التحديات الراهنة، وهو ما قد ينعكس سلبًا على قدرة المجموعة على قيادة الجهود الدولية خلال المرحلة المقبلة.
قمة على مفترق طرق
تنعقد قمة مجموعة السبع هذا العام في لحظة فارقة من تاريخ العلاقات الدولية. فالعالم يواجه تحديات غير مسبوقة تتراوح بين الصراعات العسكرية، والأزمات الاقتصادية، والثورات التكنولوجية، والتغيرات المناخية.
وبينما تمتلك دول المجموعة ثقلًا اقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا هائلًا يجعلها قادرة على التأثير في مسار الأحداث العالمية، فإن نجاحها في أداء هذا الدور سيظل مرهونًا بقدرتها على تجاوز خلافاتها الداخلية والتوصل إلى رؤى مشتركة للتعامل مع الأزمات المتفاقمة.
ومع اقتراب موعد انعقاد القمة، يبقى السؤال الأبرز: هل تنجح دول مجموعة السبع في استعادة دورها كقاطرة للنظام الدولي، أم أن الانقسامات المتزايدة ستحد من قدرتها على مواجهة عالم يزداد اضطرابًا وتعقيدًا يومًا بعد يوم؟