التضخم يطارد ترامب.. كيف تحولت ورقة الاقتصاد الرابحة لأكبر تحدٍ بولايته الثانية؟
منذ عودته إلى البيت الأبيض لولاية ثانية، راهن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الاقتصاد باعتباره السلاح الأقوى لتعزيز شعبيته وترسيخ موقع الحزب الجمهوري قبل انتخابات التجديد النصفي.
غير أن الأشهر الأولى من ولايته كشفت عن معضلة متصاعدة باتت تهدد هذا الرهان، تتمثل في عودة التضخم إلى واجهة المشهد الاقتصادي الأمريكي، ليتحول من قضية استخدمها الجمهوريون لانتقاد إدارة جو بايدن إلى تحدٍ مباشر يواجه إدارة ترامب نفسها
وفي الوقت الذي كان فيه ترامب يقدم نفسه خلال الحملة الانتخابية باعتباره الرجل القادر على خفض الأسعار واستعادة القوة الشرائية للأسر الأمريكية، تشير المؤشرات الاقتصادية الأخيرة إلى أن ارتفاع تكاليف المعيشة ما زال يشكل عبئًا متزايدًا على ملايين الأمريكيين، وهو ما انعكس بوضوح في استطلاعات الرأي التي أظهرت تراجع الثقة في قدرة الإدارة الحالية على معالجة أزمة الغلاء.
التضخم.. نقطة الضعف الجديدة

يرى عدد متزايد من الخبراء الاقتصاديين والمراقبين السياسيين أن التضخم أصبح نقطة الضعف الرئيسية في ولاية ترامب الثانية، خاصة مع استمرار ارتفاع أسعار السلع والخدمات والطاقة والتأمين الصحي.
وبحسب استطلاع للرأي أجرته صحيفة "نيويورك تايمز" بالتعاون مع جامعة سيينا، سجل ترامب تراجعًا ملحوظًا في تقييم الناخبين لأدائه فيما يتعلق بإدارة تكاليف المعيشة، وهو تراجع يفوق حتى الانخفاض المسجل في تقييمه لإدارة الاقتصاد بشكل عام.
ويعكس هذا التراجع حقيقة أن المواطن الأمريكي لا يقيس الأداء الاقتصادي بالمؤشرات الكلية فقط، بل يربطه بشكل مباشر بما يدفعه يوميًا مقابل الوقود والغذاء والكهرباء والرعاية الصحية والإيجارات، وهي المجالات التي شهدت زيادات ملحوظة خلال الفترة الأخيرة.
سلاح انتخابي انقلب على صاحبه
خلال انتخابات 2024، استغل ترامب حالة السخط الشعبي تجاه ارتفاع الأسعار في عهد إدارة بايدن، ونجح في تحويل ملف التضخم إلى أحد أهم أسباب فوزه بالانتخابات.
لكن بعد انتقاله من موقع المعارضة إلى موقع المسؤولية، وجد نفسه في مواجهة نفس المشكلة التي استخدمها سابقًا ضد منافسيه.
فالناخب الأمريكي الذي منح صوته للجمهوريين أملاً في تحسن الأوضاع المعيشية لا يهتم كثيرًا بتبريرات الأسواق العالمية أو الأزمات الدولية، بقدر اهتمامه بما يراه في فاتورة التسوق الشهرية أو عند تعبئة الوقود في سيارته.
ولهذا السبب يرى محللون أن استمرار الضغوط التضخمية لفترة طويلة قد يؤدي إلى تراجع التأييد الشعبي للإدارة الجمهورية، تمامًا كما حدث مع إدارات أمريكية سابقة واجهت موجات تضخم مرتفعة.
الرسوم الجمركية تعود إلى الواجهة
أحد أبرز العوامل التي يربطها الخبراء بارتفاع الأسعار يتمثل في سياسة الرسوم الجمركية التي تبنتها إدارة ترامب.
فقد أعادت الإدارة فرض رسوم جمركية على مجموعة واسعة من الواردات، تحت شعار حماية الصناعة الأمريكية وتقليل الاعتماد على الخارج.
ورغم أن هذه السياسة تهدف إلى دعم الإنتاج المحلي، فإن العديد من الدراسات الاقتصادية تشير إلى أن جزءًا كبيرًا من تكلفتها ينتقل في النهاية إلى المستهلك الأمريكي.
وتؤكد تقارير اقتصادية أن الرسوم الجمركية ساهمت في رفع أسعار العديد من السلع المعمرة، وهو ما انعكس على تكلفة الأجهزة المنزلية والسيارات والمنتجات الإلكترونية وغيرها من السلع التي يعتمد الأمريكيون على استهلاكها بشكل يومي.
ويرى خبراء الاقتصاد أن الرسوم الجمركية قد توفر حماية مؤقتة لبعض الصناعات، لكنها في الوقت نفسه تزيد الضغوط على المستهلكين وتؤدي إلى ارتفاع تكلفة المعيشة.
تأثير الهجرة وسوق العمل
ضمن الملفات المثيرة للجدل أيضًا تأتي سياسات الهجرة التي تبنتها الإدارة الأمريكية الحالية.
فمع تشديد إجراءات الترحيل وتقليص أعداد العمالة المهاجرة في بعض القطاعات، بدأ عدد من الاقتصاديين التحذير من نقص محتمل في العمالة داخل قطاعات حيوية مثل البناء والزراعة وتصنيع الأغذية والرعاية الصحية.
ويؤدي نقص العمالة عادة إلى ارتفاع الأجور نتيجة زيادة المنافسة على الموظفين، وهو أمر إيجابي من ناحية تحسين دخول العاملين، لكنه قد يؤدي في المقابل إلى زيادة تكاليف الإنتاج والخدمات، ومن ثم انتقال هذه الزيادات إلى المستهلك النهائي في صورة أسعار أعلى.
ولهذا يرى بعض الخبراء أن السياسات المرتبطة بسوق العمل والهجرة قد تصبح عاملًا إضافيًا في تغذية الضغوط التضخمية خلال الفترة المقبلة.
أزمة التأمين الصحي
من الملفات التي أثارت جدلاً واسعًا أيضًا ملف التأمين الصحي، خاصة بعد التغييرات التي طالت برامج الدعم المرتبطة بالرعاية الصحية.
فقد شهدت أقساط التأمين الصحي ارتفاعات كبيرة في عدد من الولايات الأمريكية، ما دفع ملايين الأسر إلى تحمل أعباء مالية إضافية في وقت تواجه فيه بالفعل ضغوطًا ناجمة عن ارتفاع الأسعار.
ولا تقتصر المشكلة على زيادة الأقساط فقط، بل تمتد إلى ارتفاع المبالغ التي يتحملها المواطنون عند الحصول على الخدمات الطبية، وهو ما يزيد من تكلفة الحياة اليومية بالنسبة لشرائح واسعة من المجتمع الأمريكي.
ويحذر مراقبون من أن ملف الرعاية الصحية قد يتحول إلى قضية سياسية مؤثرة خلال الانتخابات المقبلة، خاصة إذا استمرت تكاليف العلاج والتأمين في الارتفاع.
الطاقة.. التحدي الأكبر
يظل ملف الطاقة أحد أكثر الملفات تأثيرًا في معدلات التضخم الأمريكية.
فارتفاع أسعار الوقود لا ينعكس فقط على تكلفة التنقل، بل يمتد تأثيره إلى مختلف القطاعات الاقتصادية، بدءًا من النقل والشحن وصولًا إلى أسعار الغذاء والسلع الاستهلاكية.
وخلال الأشهر الماضية، شهدت أسعار الطاقة زيادات ملحوظة نتيجة التوترات الجيوسياسية العالمية والتقلبات التي أصابت أسواق النفط والغاز.
كما ساهمت الحرب الدائرة في الشرق الأوسط في زيادة حالة عدم اليقين داخل الأسواق، خصوصًا مع المخاوف المرتبطة بإمدادات الطاقة العالمية وممرات الشحن الحيوية.
ويرى خبراء أن استمرار هذه الأوضاع قد يبقي أسعار الطاقة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول، وهو ما يعني استمرار الضغوط التضخمية على الاقتصاد الأمريكي.
الذكاء الاصطناعي واستهلاك الكهرباء
من القضايا الجديدة التي بدأت تظهر ضمن النقاش الاقتصادي الأمريكي قضية الطلب المتزايد على الطاقة بسبب التوسع الهائل في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.
فمع دخول الشركات الكبرى في سباق استثماري ضخم لتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي، ارتفع استهلاك الكهرباء بشكل غير مسبوق، ما أدى إلى زيادة الضغط على شبكات الطاقة.
ويعتقد بعض الخبراء أن هذا التوسع السريع قد يساهم في رفع أسعار الكهرباء للأسر والشركات إذا لم تتوافر استثمارات كافية لتطوير البنية التحتية للطاقة.
وفي الوقت نفسه، تواجه مشاريع الطاقة المتجددة تحديات تنظيمية وسياسية، الأمر الذي يزيد من المخاوف بشأن قدرة السوق على تلبية الطلب المتنامي بأسعار مناسبة.
الحرب وتأثيرها على الاقتصاد
إلى جانب العوامل الداخلية، يواجه الاقتصاد الأمريكي تداعيات مباشرة للتوترات الدولية والحروب الإقليمية.
فالصراعات الجيوسياسية تؤثر على حركة التجارة العالمية وأسعار النفط والغاز وسلاسل الإمداد، ما ينعكس بدوره على الأسواق الأمريكية.
ويؤكد اقتصاديون أن أي اضطراب طويل الأمد في أسواق الطاقة العالمية قد يؤدي إلى موجة جديدة من التضخم، خاصة إذا استمرت أسعار الوقود في الارتفاع أو تعرضت الإمدادات العالمية لمزيد من الضغوط.
كما أن زيادة الإنفاق المرتبط بالأمن والدفاع في ظل الأزمات الدولية قد تفرض أعباء إضافية على الموازنة الأمريكية.
لماذا يكره الأمريكيون التضخم؟
تشير دراسات عديدة إلى أن التضخم يترك أثرًا نفسيًا وسياسيًا يفوق تأثير العديد من المؤشرات الاقتصادية الأخرى.
فحتى عندما ترتفع الأجور بالتوازي مع الأسعار، يظل كثير من المواطنين يشعرون بأنهم يخسرون جزءًا من قدرتهم الشرائية.
ويرجع ذلك إلى أن المستهلك يتذكر بسهولة سعر الوقود أو البيض أو الخبز قبل سنوات، ويقارن الأسعار الحالية بتلك الذكريات، ما يجعله يشعر بأن الوضع أصبح أسوأ حتى لو كانت دخوله قد ارتفعت.
ولهذا السبب غالبًا ما يكون التضخم عاملًا حاسمًا في توجهات الناخبين، وقد لعب دورًا مهمًا في نتائج العديد من الانتخابات الأمريكية خلال العقود الماضية.
انتخابات التجديد النصفي.. اختبار صعب
مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، يزداد القلق داخل الأوساط الجمهورية من أن يتحول ملف التضخم إلى عبء انتخابي ثقيل.
فالتاريخ السياسي الأمريكي يظهر أن الأحزاب الحاكمة غالبًا ما تدفع ثمن ارتفاع الأسعار في صناديق الاقتراع.
وإذا استمرت معدلات التضخم عند مستويات مرتفعة أو شهدت مزيدًا من الصعود خلال الأشهر المقبلة، فقد يواجه الجمهوريون صعوبات في الحفاظ على زخمهم السياسي الحالي.
ويرى مراقبون أن نجاح الإدارة الأمريكية في احتواء التضخم خلال الفترة المقبلة سيكون أحد أهم العوامل التي ستحدد شكل المشهد السياسي الأمريكي في السنوات القادمة.
وفي نهاية المطاف، يجد دونالد ترامب نفسه أمام اختبار اقتصادي معقد. فالرئيس الذي وعد الأمريكيين بخفض الأسعار واستعادة الاستقرار الاقتصادي يواجه اليوم تحديات داخلية وخارجية متشابكة تجعل مهمة السيطرة على التضخم أكثر صعوبة.
وبين الرسوم الجمركية، وأزمات الطاقة، والتوترات الجيوسياسية، وتكاليف الرعاية الصحية، وضغوط سوق العمل، يبقى السؤال الأبرز: هل تستطيع إدارة ترامب تحويل مسار الاقتصاد مجددًا واستعادة ثقة الناخبين، أم أن التضخم سيظل العنوان الأبرز الذي يطارد البيت الأبيض ويهدد الحسابات السياسية للجمهوريين؟
الإجابة قد لا تتحدد فقط في أروقة المؤسسات الاقتصادية أو اجتماعات الاحتياطي الفيدرالي، بل في المتاجر ومحطات الوقود وفواتير الكهرباء التي يتعامل معها الأمريكيون يوميًا، حيث تتشكل في النهاية الصورة الحقيقية لأي إدارة حاكمة.