مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

شهادات جنود إسرائيليين تكشف كواليس القتل على "الخط الأصفر" في غزة.. تفاصيل

نشر
الأمصار

كشفت شهادات جديدة أدلى بها جنود احتياط إسرائيليون ومنظمة "كسر الصمت" الحقوقية عن تفاصيل ميدانية مثيرة للجدل تتعلق بما يُعرف بـ"الخط الأصفر" داخل قطاع غزة، وهو خط فاصل يحدد مناطق النفوذ والسيطرة العسكرية الإسرائيلية في القطاع. وتسلط هذه الشهادات الضوء على طبيعة قواعد الاشتباك المعتمدة في تلك المناطق، وسط اتهامات بوقوع انتهاكات جسيمة بحق المدنيين الفلسطينيين الذين يجدون أنفسهم في مرمى النيران بمجرد الاقتراب من مناطق مصنفة عسكريًا.

وتأتي هذه الإفادات في وقت يشهد فيه قطاع غزة استمرارًا للتوترات الأمنية والعمليات العسكرية، رغم وجود ترتيبات هدنة ووقف إطلاق نار وُصفت مرارًا بأنها هشة وغير مستقرة.

الخط الأصفر.. حدود غير مرئية

وفقًا لشهادات الجنود، فإن "الخط الأصفر" لا يمثل في كثير من الأحيان حدودًا واضحة المعالم على الأرض، بل عبارة عن مناطق تقديرية أو خطوط افتراضية تفصل بين مناطق السيطرة الإسرائيلية والمناطق الفلسطينية. ويقول الجنود إن غياب العلامات الواضحة يجعل من الصعب على السكان المدنيين تحديد حدود هذه المناطق، الأمر الذي يؤدي إلى وقوع حوادث إطلاق نار متكررة.

وأشار أحد الجنود الذين خدموا في القطاع خلال الأشهر الماضية إلى أن التعليمات الميدانية كانت صارمة فيما يتعلق بمنع أي شخص من الاقتراب من هذه المناطق، موضحًا أن تجاوز الخط أو الاقتراب منه كان يُفسر أحيانًا على أنه تهديد أمني يستوجب الرد الفوري.

شهادات عن قواعد اشتباك مثيرة للجدل

تضمنت الشهادات روايات عن آليات اتخاذ القرار داخل الوحدات العسكرية المنتشرة بالقرب من الخط الأصفر. وأوضح عدد من الجنود أن بعض عمليات الاستهداف كانت تتم في ظروف تفتقر إلى الوضوح الكامل بشأن هوية الأشخاص الموجودين في المنطقة.

وأكد أحد الجنود أن قرارات إطلاق النار أو تنفيذ ضربات بواسطة الطائرات المسيّرة كانت تعتمد أحيانًا على تقديرات ميدانية سريعة، أو على مجرد رصد حركة أشخاص داخل مناطق تعتبرها القوات العسكرية محظورة.

وأضاف أن طبيعة البيئة العملياتية المعقدة، وسرعة الأحداث، وصعوبة التحقق من هوية الأشخاص على مسافات بعيدة، كانت تجعل اتخاذ القرار أكثر تعقيدًا، الأمر الذي قد يؤدي إلى وقوع أخطاء قاتلة.

ثقافة ميدانية قائمة على الردع

بحسب الشهادات المنشورة، فإن العديد من الجنود تلقوا تعليمات تؤكد ضرورة الحفاظ على السيطرة الكاملة على المناطق الحدودية مهما كانت الظروف. وأشار بعضهم إلى أن هذه السياسة خلقت بيئة ميدانية تقوم على الردع بالقوة النارية المكثفة لمنع أي اقتراب من الخط الفاصل.

كما تحدث بعض الجنود عن شعور سائد داخل الوحدات القتالية بأن الأولوية القصوى تتمثل في حماية القوات العسكرية، حتى لو أدى ذلك إلى استخدام القوة المميتة بصورة متكررة.

وذكر أحد الجنود أن الأوامر الشفهية الصادرة عن بعض القادة كانت تشجع على استخدام النيران المباشرة بدلاً من الوسائل التحذيرية، خاصة في الحالات التي يُعتقد فيها بوجود احتمال ولو محدود لحدوث تهديد أمني.

منظمة "كسر الصمت" تدق ناقوس الخطر

منظمة "كسر الصمت"، التي تضم جنودًا ومحاربين إسرائيليين سابقين، اعتبرت أن هذه الشهادات تعكس مشكلة أوسع تتعلق بقواعد الاشتباك المعمول بها داخل قطاع غزة.

وأكدت المنظمة أن السياسات العسكرية الحالية تسمح في بعض المناطق باستخدام القوة بصورة مفرطة، مشيرة إلى أن المدنيين الفلسطينيين قد يتعرضون للخطر لمجرد وجودهم بالقرب من مناطق تعتبرها القوات الإسرائيلية مناطق عسكرية مغلقة.

وترى المنظمة أن غياب الوضوح بشأن حدود هذه المناطق يزيد من احتمالات وقوع ضحايا بين المدنيين، خصوصًا في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي يعيشها سكان القطاع.

اتهامات باستهداف المدنيين

التقارير والشهادات المتداولة تتحدث عن وقوع حوادث إطلاق نار استهدفت أشخاصًا غير مسلحين، بينهم أطفال ومدنيون كانوا يتحركون بالقرب من المناطق الحدودية.

ويقول منتقدو السياسة العسكرية الإسرائيلية إن استمرار سقوط ضحايا مدنيين يشير إلى وجود خلل في آليات التحقق من الأهداف قبل تنفيذ عمليات الاستهداف.

كما يشير مراقبون إلى أن طبيعة القتال في المناطق المأهولة بالسكان تجعل من الضروري اعتماد معايير أكثر صرامة لضمان حماية المدنيين وتقليل الخسائر البشرية.

الرواية الإسرائيلية الرسمية

في المقابل، يؤكد الجيش الإسرائيلي أن المناطق القريبة من الخط الأصفر تمثل بيئة عملياتية حساسة وخطرة، وأن الفصائل المسلحة الفلسطينية لا تزال تنشط في محيط تلك المناطق.

وتقول القيادة العسكرية الإسرائيلية إن القوات المنتشرة هناك تعمل وفق قواعد اشتباك محددة، وإن استخدام القوة يتم وفق تقييمات أمنية وميدانية تهدف إلى حماية الجنود ومنع أي محاولات للتسلل أو تنفيذ هجمات.

كما تؤكد السلطات الإسرائيلية أن المناطق العسكرية يتم التحذير منها بوسائل مختلفة، وأن القوات تلجأ في كثير من الأحيان إلى الإنذارات والتحذيرات قبل استخدام القوة المميتة، باستثناء الحالات التي تشكل تهديدًا مباشرًا وفوريًا.

أرقام الضحايا تثير القلق

تشير البيانات الواردة من قطاع غزة إلى سقوط مئات الضحايا منذ بدء تنفيذ ترتيبات وقف إطلاق النار الأخيرة، بينما تؤكد منظمات إنسانية أن نسبة ملحوظة من هذه الخسائر وقعت في المناطق القريبة من الخط الأصفر.

وتحذر مؤسسات حقوقية من أن استمرار العمليات العسكرية في تلك المناطق قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، خاصة في ظل النزوح الواسع للسكان وصعوبة الوصول إلى الخدمات الأساسية.

كما تدعو هذه الجهات إلى إجراء تحقيقات مستقلة وشفافة في جميع الحوادث التي أسفرت عن سقوط ضحايا مدنيين، بهدف تحديد المسؤوليات وضمان احترام قواعد القانون الدولي الإنساني.

مخاوف من بقاء عسكري طويل الأمد

تتزامن هذه التطورات مع تصريحات سياسية إسرائيلية تتحدث عن توسيع نطاق السيطرة الأمنية داخل قطاع غزة، وهو ما أثار مخاوف بشأن احتمال استمرار الوجود العسكري لفترات طويلة.

ويرى محللون أن هذه التصريحات تعزز القناعة لدى كثير من المراقبين بأن المشهد الميداني لا يزال مرشحًا لمزيد من التصعيد، خصوصًا في ظل تعثر الجهود السياسية والدبلوماسية الرامية إلى التوصل إلى تسوية شاملة ومستدامة.

تكشف شهادات الجنود الإسرائيليين عن صورة معقدة للواقع الميداني في قطاع غزة، حيث تتداخل الاعتبارات الأمنية مع المخاوف الإنسانية والحقوقية. وبينما تؤكد إسرائيل أن إجراءاتها تهدف إلى حماية قواتها ومنع التهديدات الأمنية، تثير شهادات الجنود والمنظمات الحقوقية تساؤلات متزايدة حول طبيعة قواعد الاشتباك ومدى التزامها بحماية المدنيين. ومع استمرار التوترات، تبقى الحاجة ملحة إلى تحقيقات مستقلة وإجراءات تضمن حماية السكان المدنيين ومنع تكرار المآسي الإنسانية في القطاع.