مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

فيروس «هانتا».. أخر تطورات الاستنفار الصحي الدولي على السفينة السياحية

نشر
الأمصار

يشهد العالم في الأيام الأخيرة حالة من القلق والترقب بعد تفشي فيروس «هانتا» على متن سفينة الرحلات السياحية «إم في هونديوس»، في حادثة أعادت إلى الأذهان مشاهد الأزمات الصحية العالمية التي شهدها العالم خلال السنوات الماضية، وعلى رأسها جائحة «كوفيد-19». وقد تحولت السفينة، التي كانت تقوم برحلة استكشافية عبر المحيط الأطلسي، إلى بؤرة صحية دفعت السلطات الدولية إلى تنفيذ عمليات إجلاء واسعة وإجراءات حجر صحي مشددة، في وقت تحاول فيه الحكومات والمنظمات الصحية احتواء الموقف ومنع تحوله إلى أزمة عالمية جديدة.

بداية الأزمة على متن السفينة

انطلقت السفينة الهولندية «إم في هونديوس» من مدينة أوشوايا الأرجنتينية مطلع أبريل الماضي في رحلة بحرية استكشافية متجهة نحو الرأس الأخضر، وعلى متنها عشرات الركاب من جنسيات متعددة. لكن الرحلة التي بدأت كبرنامج سياحي فاخر تحولت سريعاً إلى كابوس صحي بعدما ظهرت حالات مرضية غامضة بين الركاب.

ومع مرور الأيام، توفي ثلاثة من ركاب السفينة، وهم رجل هولندي وزوجته إضافة إلى امرأة ألمانية، بينما ظهرت أعراض خطيرة على عدد آخر من المسافرين. وأكدت الفحوص الطبية لاحقاً أن بعض الحالات مرتبطة بفيروس «هانتا»، وهو فيروس نادر لكنه خطير، ينتقل عادة من القوارض إلى البشر.

إصابات مؤكدة وتحذيرات صحية

أعلنت السلطات الصحية الفرنسية أن امرأة فرنسية كانت ضمن الركاب الذين جرى إجلاؤهم من السفينة إلى باريس أثبتت الفحوص إصابتها بالفيروس، بعد أن شعرت بتوعك صحي خلال رحلة العودة الجوية. وتم نقلها فوراً إلى الحجر الصحي داخل أحد المستشفيات المتخصصة.

وفي الولايات المتحدة، كشفت وزارة الصحة أن أحد الركاب الأميركيين العائدين من السفينة أظهر أعراضاً خفيفة مرتبطة بالفيروس، بينما تبين أن راكباً آخر مصاب بسلالة «فيروس الأنديز»، وهي أخطر سلالات «هانتا» نظراً لقدرتها النادرة على الانتقال بين البشر.

وقد أثارت هذه المعلومات مخاوف واسعة بين الأوساط الطبية، لأن معظم أنواع فيروس «هانتا» لا تنتقل بسهولة بين البشر، لكن سلالة الأنديز تُعد استثناءً خطيراً، ما دفع السلطات إلى رفع مستويات التأهب الصحي.

ما هو فيروس «هانتا»؟

فيروس «هانتا» هو مجموعة من الفيروسات التي تنتقل غالباً عبر القوارض، خاصة من خلال استنشاق جزيئات ملوثة ببول أو فضلات الفئران. ويؤدي الفيروس إلى أمراض تنفسية حادة قد تكون قاتلة في بعض الحالات.

وتشمل أعراض الإصابة الحمى، وآلام العضلات، والصداع، والإرهاق، ثم قد تتطور سريعاً إلى صعوبات تنفسية حادة تهدد الحياة. وحتى الآن، لا توجد لقاحات أو علاجات نوعية معتمدة للفيروس، ويعتمد العلاج بشكل أساسي على الرعاية الطبية الداعمة.

وتنتشر بعض سلالات الفيروس بشكل خاص في أميركا الجنوبية، بما في ذلك الأرجنتين وتشيلي، حيث سبق تسجيل حالات تفشٍ محدودة خلال السنوات الماضية.

عمليات إجلاء دولية واسعة

دفعت خطورة الوضع السلطات الإسبانية، بالتنسيق مع منظمة الصحة العالمية وعدد من الحكومات الأوروبية، إلى تنفيذ عملية إجلاء ضخمة للركاب من ميناء تينيريفي في جزر الكناري الإسبانية، حيث رست السفينة.

وشملت العملية نقل 94 راكباً من 19 جنسية مختلفة إلى بلدانهم وسط إجراءات صحية مشددة، حيث ظهر الركاب بملابس واقية وكمامات طبية أثناء مغادرتهم السفينة.

وأكدت السلطات الإسبانية أن جميع التدابير المتخذة هدفت إلى «كسر سلاسل العدوى المحتملة»، خصوصاً مع تزايد المخاوف من انتقال الفيروس بين المسافرين خلال الرحلات الجوية أو أثناء الاختلاط المباشر.

كما تم وضع عدد من الركاب في الحجر الصحي داخل مستشفيات متخصصة في فرنسا وألمانيا وإسبانيا واليونان وأستراليا، بينما واصلت دول أخرى تتبع المخالطين وإجراء الفحوص الوقائية.

خلافات حول مستوى الخطر

ورغم تأكيد منظمة الصحة العالمية أن الخطر على الصحة العامة العالمية لا يزال «محدوداً»، فإن بعض التصريحات الرسمية عكست وجود تباين في تقييم الوضع.

ففي حين شددت المنظمة على أهمية الحجر الصحي لمدة تصل إلى 42 يوماً لبعض المخالطين، تبنت السلطات الأميركية موقفاً أقل تشدداً، إذ قالت إن بعض الركاب الأميركيين قد يُسمح لهم بالعودة إلى منازلهم دون حجر إلزامي، شرط الالتزام بإجراءات السلامة.

وأثار هذا التوجه انتقادات من مسؤولين صحيين دوليين، بينهم المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبرييسوس، الذي حذر من أن التراخي في الإجراءات قد ينطوي على مخاطر غير محسوبة.

منشأ التفشي لا يزال غامضاً

حتى الآن، لا تزال السلطات الصحية تحقق في مصدر العدوى الأول على متن السفينة. وتعتقد منظمة الصحة العالمية أن الإصابة الأولى حدثت قبل انطلاق الرحلة من الأرجنتين، ثم انتقل الفيروس لاحقاً بين بعض الركاب خلال الرحلة البحرية الطويلة.

لكن مسؤولين صحيين أرجنتينيين شككوا في هذه الفرضية، مؤكدين أن فترة حضانة الفيروس والعوامل الوبائية الأخرى لا تسمح حتى الآن بتحديد منشأ التفشي بدقة.

ويعمل خبراء الأوبئة حالياً على تحليل تحركات الركاب وخط سير السفينة بدقة، في محاولة لفهم كيفية انتقال العدوى، وما إذا كانت هناك عوامل بيئية أو صحية ساهمت في انتشار المرض بهذه السرعة.

ذكريات «كوفيد-19» تعود مجدداً

أعادت هذه الحادثة إلى الأذهان صور السفن السياحية التي تحولت خلال جائحة كورونا إلى بؤر معزولة للعدوى، حيث وجد الركاب أنفسهم عالقين وسط ظروف صحية معقدة.

ورغم تأكيد الخبراء أن فيروس «هانتا» يختلف جذرياً عن «كوفيد-19» من حيث طبيعة الانتقال وسرعة الانتشار، فإن مشاهد الحجر الصحي الجماعي وعمليات الإجلاء الدولية أثارت حالة من القلق الشعبي والإعلامي.

كما سلطت الأزمة الضوء مجدداً على هشاشة أنظمة الاستجابة الصحية الدولية أمام الأمراض النادرة والمتحورة، خاصة في ظل الحركة العالمية المكثفة للسفر والسياحة.

مراقبة دولية واستعدادات مستمرة

في الوقت الراهن، تواصل الدول المعنية مراقبة أوضاع الركاب وأفراد الطاقم الذين كانوا على متن السفينة، بينما تستعد السلطات الصحية لأي تطورات محتملة خلال الأسابيع المقبلة.

ومن المتوقع أن تستمر عمليات المتابعة الطبية والحجر الصحي لفترات متفاوتة تبعاً لدرجة التعرض للفيروس، في وقت تؤكد فيه منظمة الصحة العالمية أن الوضع لا يزال تحت السيطرة.

لكن هذه الحادثة تبقى بمثابة إنذار جديد للعالم حول مخاطر الأمراض المعدية النادرة، وأهمية التنسيق الدولي السريع والشفافية الصحية في مواجهة أي تهديد وبائي محتمل، مهما بدا محدوداً في بدايته.