هل تتوقف قمم الناتو السنوية؟.. خلافات ترامب تعيد تشكيل إيقاع التحالف
في تطور يعكس حجم التوترات داخل التحالف الغربي، تلوح في الأفق احتمالات بتغيير تقليد سنوي اعتاد عليه قادة حلف شمال الأطلسي خلال السنوات الأخيرة، وهو عقد القمم السنوية، وذلك على خلفية خلافات متصاعدة مع دونالد ترامب.
ورغم أن القمة المقبلة لا تزال قائمة، والمقرر انعقادها في أنقرة خلال شهر يوليو، فإن النقاشات الجارية داخل أروقة الحلف تشير إلى إمكانية إلغاء هذا النمط السنوي مستقبلًا، أو على الأقل تقليص وتيرته.
تحوّل حديث في تقاليد الناتو
لم يكن عقد القمم بشكل سنوي تقليدًا راسخًا في تاريخ الحلف الممتد لعقود، بل جاء هذا التوجه بعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، حيث فرضت التطورات المتسارعة حينها ضرورة التنسيق المستمر بين الدول الأعضاء.
ومنذ ذلك الحين، اعتاد قادة الدول الأعضاء الاجتماع سنويًا، خاصة مع تصاعد التحديات الأمنية في أوروبا. لكن هذا النمط بات محل مراجعة، في ظل اختلاف وجهات النظر بشأن جدوى الاجتماعات المتكررة.
خلافات ترامب تعيد الحسابات

مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، تصاعدت حدة التوتر بين الولايات المتحدة وبعض حلفائها الأوروبيين. فقد وجه ترامب انتقادات متكررة للحلف، مطالبًا الدول الأعضاء بزيادة إنفاقها الدفاعي بشكل ملحوظ.
وتمكن بالفعل من دفع الحلفاء إلى الموافقة على رفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، وهو ما لم يحظَ بإجماع كامل، خاصة مع اعتراض إسبانيا.
ولم تتوقف الخلافات عند هذا الحد، إذ طُرحت أفكار مثيرة للجدل، مثل تعليق عضوية إسبانيا، رغم عدم وجود نص قانوني واضح في معاهدة الناتو يسمح بذلك.
مقترحات لتقليل وتيرة القمم
في ضوء هذه التوترات، بدأ بعض القادة الأوروبيين في طرح فكرة تقليل عدد القمم، بحيث تُعقد كل عامين بدلًا من سنويًا، أو حتى إلغاء بعضها إذا لم تكن ذات جدوى حقيقية.
ويرى دبلوماسيون أن الاجتماعات المتكررة قد تؤدي أحيانًا إلى قرارات متسرعة أو مثيرة للجدل، نتيجة الضغوط لتحقيق نتائج فورية، بدلًا من التركيز على التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد.
كما أن بعض الأصوات داخل الحلف ترى أن "عددًا أقل من القمم قد يكون أفضل من قمم ضعيفة النتائج".
أوكرانيا والشرق الأوسط في قلب النقاش

تأتي هذه النقاشات في وقت حساس، حيث لا تزال الحرب في أوكرانيا تمثل تحديًا رئيسيًا للحلف، إلى جانب تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، خاصة ما يتعلق بالممرات الحيوية مثل مضيق هرمز.
وقد أثارت مواقف الولايات المتحدة في بعض الملفات، مثل العمليات العسكرية دون تنسيق كامل مع الحلفاء، حالة من الاستياء داخل أوروبا، التي ترى نفسها مطالبة بتحمل تبعات قرارات لم تشارك في صناعتها.
بين الحاجة والتوازن
ورغم كل هذه الخلافات، يؤكد مسؤولون في الناتو أن الاجتماعات بين قادة الدول ستستمر، سواء في إطار القمم السنوية أو عبر قنوات أخرى، لضمان استمرار التنسيق.
لكن يبقى السؤال الأهم هل يحتاج الحلف فعلًا إلى قمم سنوية، أم أن تقليلها قد يمنحه مساحة أكبر للعمل بهدوء بعيدًا عن الضغوط الإعلامية والسياسية؟
في ظل عالم يتغير بسرعة، يبدو أن الناتو نفسه بات مضطرًا لإعادة تقييم آلياته، ليس فقط في مواجهة التحديات الخارجية، بل أيضًا للحفاظ على تماسكه الداخلي.

