مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

هل تنجح أنقرة في كسر جمود الأطلسي؟.. 5 مسارات لإعادة تشكيل مستقبل الناتو

نشر
الأمصار

تقترب قمة حلف شمال الأطلسي «الناتو» لعام 2026، المقرر عقدها في العاصمة التركية أنقرة، وسط حالة من الترقب الدولي، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية وتزايد التحديات الأمنية التي تواجه الحلف، سواء على مستوى العلاقة مع روسيا، أو إدارة الملفات الساخنة الممتدة من أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، وصولًا إلى قضايا أمن الطاقة والممرات البحرية الحيوية.

وتأتي القمة في وقت بالغ الحساسية، حيث يتداخل البعد السياسي بالاقتصادي والعسكري، ما يجعلها واحدة من أكثر القمم تعقيدًا خلال السنوات الأخيرة. 

وبينما تتجه الأنظار إلى مخرجات الاجتماع، يطرح خبراء الأمن الدولي سؤالًا محوريًا: هل تستطيع قمة أنقرة تحويل «الناتو» من إطار تقليدي لإدارة الأزمات إلى منصة لإعادة هندسة التوازنات الأمنية العالمية؟

قمة بين فرص التماسك ومخاوف الانقسام

تشير التقديرات إلى أن القمة المقبلة تحمل في طياتها تناقضًا واضحًا؛ فمن جهة هناك فرصة لتعزيز تماسك الحلف بعد سلسلة من التعهدات المتبادلة بزيادة الإنفاق الدفاعي وتطوير القدرات العسكرية المشتركة، ومن جهة أخرى تتصاعد المخاوف من تباين أولويات الدول الأعضاء، خصوصًا بين الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية.

وتزداد حساسية المشهد مع استمرار الجدل حول توزيع الأعباء داخل الحلف، والدور الأمريكي المستقبلي في أوروبا، إلى جانب الضغوط الاقتصادية التي تواجه العديد من الدول الأعضاء، ما يضع ملف التمويل الدفاعي في قلب النقاشات المرتقبة.

5 خطوات لتجنب «ألغام الخلاف» داخل الناتو

في هذا السياق، يقدم خبراء «المجلس الأطلسي» رؤية تعتمد على خمسة مسارات رئيسية، يمكن أن تشكل خريطة طريق لإنجاح قمة أنقرة، وتجنب الانزلاق نحو خلافات قد تهدد وحدة الحلف.

أولًا: احتواء بؤر التوتر عبر تحرك أوروبي استباقي

يرى الخبراء أن أحد أهم التحديات يتمثل في إدارة الملفات الجغرافية الحساسة مثل القطب الشمالي ومضيق هرمز.

ويقترحون أن تتحرك الدول الأوروبية بشكل أكثر فاعلية داخل إطار الناتو، من خلال تحويل التعهدات السياسية إلى خطوات ميدانية، مثل تعزيز الوجود العسكري المشترك، وتوسيع نطاق التدريبات البحرية والجوية، بما يحد من التوترات ويمنح الحلف دورًا أكثر حضورًا في إدارة الأزمات الإقليمية.

ثانيًا: تنظيم إعادة توزيع الأدوار داخل الحلف

مع تزايد الحديث عن إعادة تقييم الدور الأمريكي في أوروبا، تبرز الحاجة إلى آلية انتقالية واضحة لإعادة توزيع المسؤوليات.
ويتمثل الهدف في تجنب أي فراغ أمني محتمل، عبر وضع خطة زمنية دقيقة تنظم انتقال بعض المهام الاستراتيجية تدريجيًا إلى الدول الأوروبية، مع الحفاظ على التوازن العام لقوة الردع.

ثالثًا: إعادة التوازن إلى الجبهة الشرقية

تظل الجبهة الشرقية واحدة من أكثر مناطق التوتر داخل الحلف، خاصة في ظل استمرار التهديدات الأمنية في محيطها.

ويشير التحليل إلى ضرورة تعزيز مشاركة الدول الأوروبية الغربية في الانتشار العسكري، ليس فقط من خلال الدعم اللوجستي، ولكن عبر نشر وحدات قتالية أكثر جاهزية، بما يعزز مبدأ تقاسم الأعباء ويقلل الاعتماد المفرط على القوات الأمريكية.

رابعًا: تحويل الإنفاق الدفاعي إلى قوة ردع فعلية

بعد الاتفاق على رفع الإنفاق الدفاعي إلى مستويات غير مسبوقة، يصبح التحدي الحقيقي هو تحويل هذه الأرقام إلى قدرات عسكرية ملموسة.

ويقترح الخبراء أن تتضمن القمة استعراضًا واضحًا للقدرات الدفاعية الجديدة، بما في ذلك أنظمة التسليح الحديثة والتعاون الصناعي العسكري بين دول الحلف، بما يرسل رسالة ردع مباشرة إلى الخصوم المحتملين ويعزز ثقة الداخل الأطلسي.

خامسًا: إعادة ضبط إيقاع القمم الأطلسية

يرى بعض المحللين أن وتيرة انعقاد القمم الحالية قد لا تتيح وقتًا كافيًا لتنفيذ القرارات الاستراتيجية، ما يجعل النتائج أقرب إلى بيانات سياسية منها إلى خطوات عملية.

ومن هنا يأتي المقترح بتقليل عدد القمم أو إعادة هيكلتها، بحيث تركز على المتابعة التنفيذية بدلًا من الاكتفاء بالإعلانات، وهو ما قد يعزز فعالية الحلف على المدى الطويل.

قمة مفصلية في مسار «الناتو»

في ضوء هذه المسارات الخمسة، تبدو قمة أنقرة 2026 أقرب إلى كونها محطة مفصلية في تاريخ الحلف، وليست مجرد اجتماع دوري بين الدول الأعضاء. فالتحديات الحالية لا تتعلق فقط بالأمن العسكري، بل تمتد إلى مستقبل التوازنات الدولية، وطبيعة العلاقة بين ضفتي الأطلسي.

وبينما يظل نجاح القمة مرهونًا بقدرة الأطراف على تحويل التوافقات النظرية إلى خطوات تنفيذية، فإن الفشل في إدارة الخلافات قد يفتح الباب أمام مرحلة أكثر تعقيدًا في مسار الحلف.

وفي النهاية، تبقى قمة أنقرة اختبارًا حقيقيًا لقدرة «الناتو» على التكيف مع عالم سريع التغير، حيث لم يعد الأمن مجرد تحالف عسكري، بل منظومة متكاملة من المصالح والسياسات والقدرات المتشابكة.