عثمان ميرغني يكتب: من السلاح إلى الدولة.. اختبار حركات دارفور
ما بين الحين والآخر تصدر تصريحات من بعض قيادات حركات دارفور الموقعة على اتفاقية جوبا للسلام، تبعث على الحيرة والقلق. تصريحات تلمح فيها التلويح بمنطق السلاح للتشبث بالمواقع، أو المساومة للحصول على أثمان مقابل استمرار المشاركة مع الجيش في القتال ضد «قوات الدعم السريع».
الحقيقة أنه منذ توقيع اتفاق جوبا لم يعد السؤال ما إذا كانت حركات دارفور قد حصلت على نصيبها من السلطة، بل كيف ستتعامل مع الواقع الجديد ومع الظروف التي يمر بها السودان: بعقلية الدولة أم بعقلية الميليشيا؟ فالاتفاق لم يكن نهاية الطريق بقدر ما كان بداية اختبار أكثر تعقيداً - اختبار التحول من عقلية تنظيم مسلح إلى شريك مسؤول في بناء دولة.
في هذا الإطار يصعب تجاهل أن الجمع بين «امتيازات الدولة» و«أدوات القوة خارجها» ليس وضعاً قابلاً للاستمرار. فحتى لو بدا هذا التوازن ممكناً على المدى القصير، لكنه في الواقع يزرع بذور عدم الاستقرار على المدى المتوسط أو البعيد. فالدولة، بطبيعتها، لا تحتمل ازدواجية السلطة؛ إما أن تكون هناك مرجعية واحدة للقوة والقرار، أو يتحول النظام كله إلى ساحة تنازع مفتوح. وإذا كان هناك ما تعلّمه الناس من مأساة الحرب الراهنة فهو عدم القبول بتكرار تجربة «قوات الدعم السريع».
بعد جوبا، حصلت بعض الحركات على مواقع تنفيذية ومناصب سيادية، وهو تطور مبرر في سياق تسوية من أجل السلام. لكن هذه المناصب لا يجب التعامل معها كغنائم حرب، بل مسؤوليات عامة تُقاس بنتائجها. ومن هنا، فإن التحول المطلوب هو الانتقال من منطق «المكافأة السياسية» إلى منطق «المساءلة». أي مسؤول يشغل موقعاً عاماً يجب أن يخضع لمعايير الأداء، لا لموازين القوة التي أوصلته إلى المنصب.
المشكلة تبدأ حين يُستخدم السلاح - ولو ضمنياً - كأداة ضغط سياسي. التلويح بالقوة في لحظات الخلاف لا يهدد الخصوم فقط، بل يقوض شرعية الدولة نفسها. الأخطر من ذلك أن استمرار هذا الوضع يحول السلاح من «وسيلة مؤقتة» إلى «حق مكتسب». بمرور الوقت، لا يعود حمل السلاح مرتبطاً بظروف استثنائية، بل يصبح جزءاً من الهوية السياسية والتنظيمية، وهو ما رأيناه في دول أخرى في المنطقة. المقاتل يرى فيه مصدر مكانته، والقائد يربط به نفوذه، وتتحول أي دعوة لنزعه إلى تهديد وجودي، لا مجرد خطوة إصلاحية.
في موازاة ذلك، تتشكل تدريجياً ما يمكن تسميتها «اقتصادات الحرب». موارد خارج الموازنة، وأنشطة غير رسمية، وشبكات مصالح تستفيد من غياب الرقابة أو ترفضها. هذه المنظومة لا تعيش على هامش الدولة فقط، بل تنافسها. وكلما طال أمد هذه الحلقة، زادت صعوبة كسرها.
ولا يقل عن ذلك خطورة، استمرار الخطاب التعبوي القائم على ثنائية «المركز والهامش». هذا الخطاب قد يكون مفهوماً في سياق الحرب؛ حيث تُستخدم الهوية كأداة حشد، لكنه يصبح مدمراً داخل الدولة. فالدولة لا تُبنى على تقسيم المواطنين، وبث خطاب الجهوية والكراهية، بل على توحيدهم حول مشروع مشترك. الاستمرار في استدعاء الشعارات القديمة نفسها لا ينتج حلولاً جديدة، بل يعيد إنتاج الأزمة نفسها بلغة مختلفة. المطلوب اليوم هو الاندماج الحقيقي في مشروع دولة جامعة، وتعزيز ودعم مؤسساتها، والاستفادة من دروس الحروب التي لم يجنِ السودان منها سوى الخراب، والتراجع نحو غياهب التخلف، وعدم الاستقرار المزمن.
في الوضع الماثل أمامنا، بعض الحركات تقاتل إلى جانب القوات المسلحة السودانية، لكنها تحتفظ بقيادة منفصلة. المطلوب اليوم الانتقال من الولاء للحركة إلى الولاء للدولة، وهو ما يتطلب الانخراط في برنامج دمج قوات الحركات في الجيش والقوات النظامية الأخرى وفق الشروط والضوابط المعمول بها، وتسجيل كامل للقوات والسلاح، وإلغاء أي أوامر ميدانية خارج التسلسل الرسمي. فالهدف النهائي هو توحيد السلاح بحيث لا تكون هناك أي بندقية خارج سيطرة الدولة. في موازاة ذلك تنخرط كل القوى في عملية إزالة رواسب الحرب، وتعزيز قيم التعايش، ونبذ خطاب الجهوية، والقبول بمبدأ التداول السلمي الديمقراطي على السلطة، لبناء سودان مستقر تكتسب فيه الشرعية بالانتخابات لا بالسلاح، وترفع المطالب داخل المؤسسات بالطرق السلمية، لا بعرقلة عمل الدولة أو رفع السلاح ضدها.
إذا كانت الحركات جادة في التحول إلى فاعل سياسي مستدام، فإن عليها أن تقدم خطاباً وطنياً يتجاوز الإقليم، ويخاطب كل السودانيين ببرامج واضحة. هذا الأمر ليس محصوراً في حركات دارفور، بل يسري على كل الحركات المسلحة الأخرى.
التحول المطلوب ليس سهلاً، لأنه يتطلب التخلي عن مزايا سهلة مثل النفوذ المباشر، والمكاسب المالية. لكنه في المقابل يفتح الباب أمام مكاسب أكبر وأكثر استدامة: شرعية سياسية حقيقية، واستقرار طويل الأمد، ودور إيجابي داخل الدولة، ومشاركة في بنائها لا هدمها.
(نقلًا عن صحيفة الشرق الأوسط)