لبنان بين الدبلوماسية والسلاح.. معادلة عون لإعادة بناء الدولة في زمن الحرب
في خضم واحدة من أعقد الأزمات التي يواجهها لبنان في تاريخه المعاصر، رسم الرئيس اللبناني جوزيف عون ملامح معادلة جديدة تسعى لإخراج البلاد من دوامة الحرب والانهيار، عبر الجمع بين خيارين متوازيين: التفاوض كمسار سياسي لإنهاء الصراع، وتعزيز سلطة الدولة عبر حصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية.
هذه المعادلة، التي عبّر عنها عون بوضوح خلال لقاء مع وفد من جنوب لبنان في قصر بعبدا، لا تمثل مجرد موقف سياسي، بل تعكس تحولًا استراتيجيًا في طريقة تعامل الدولة اللبنانية مع أزماتها المزمنة، خاصة في ظل التداخل المعقد بين الداخل اللبناني والصراعات الإقليمية.
وبينما تتزايد الضغوط العسكرية والسياسية على لبنان، تبدو هذه الرؤية محاولة لإعادة صياغة مفهوم السيادة، وتثبيت دور الدولة كمظلة جامعة لكل مكونات المجتمع.
الدبلوماسية كخيار استراتيجي: «حرب بلا دماء»

وأكد الرئيس اللبناني أن خيار الدولة ينحاز إلى المفاوضات كوسيلة لإنهاء الحرب، مشددًا على أن هذا المسار لا يعني بأي حال من الأحوال الاستسلام أو التنازل عن الحقوق، بل يمثل وسيلة عقلانية لتجنيب البلاد مزيدًا من الدمار.
ووصف عون الدبلوماسية بأنها «حرب بلا دماء»، في تعبير يعكس إدراكًا عميقًا لكلفة المواجهات العسكرية، سواء على مستوى الخسائر البشرية أو التدمير الواسع للبنية التحتية.
وأشار إلى أن المفاوضات تُجرى بطبيعتها بين أطراف متخاصمة، لكنها تهدف إلى تحقيق أهداف واضحة، من بينها:
- وقف الاعتداءات العسكرية
- انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية
- عودة الأسرى والمحتجزين
- تمهيد الطريق نحو سلام مستدام
هذا الطرح يعكس محاولة لإعادة الاعتبار للعمل الدبلوماسي، في وقت تهيمن فيه لغة القوة على المشهد الإقليمي.
جنوب لبنان: بؤرة التوتر ومختبر السياسات
يأتي هذا التوجه في ظل استمرار التصعيد في جنوب لبنان، الذي تحول إلى ساحة مواجهة مفتوحة منذ اندلاع الحرب الإقليمية في فبراير الماضي.
وتعرضت مناطق واسعة في الجنوب لقصف متكرر، ما أدى إلى نزوح آلاف السكان، وتدمير البنية التحتية، وتعطيل الحياة اليومية.
وخلال لقائه مع وفد يضم رؤساء بلديات ومخاتير من منطقة جزين، استمع الرئيس اللبناني إلى مطالب محلية تركزت حول:
- تعزيز انتشار الجيش
- تكثيف الدوريات الأمنية
- إقامة حواجز لحماية القرى
- تسهيل عودة السكان إلى منازلهم
وتعكس هذه المطالب حجم التحديات الأمنية التي تواجه الدولة، خاصة في المناطق الحدودية التي تشهد احتكاكات مستمرة.
الجيش اللبناني: حجر الأساس في معادلة الاستقرار
وفي موازاة المسار التفاوضي، شدد الجيش اللبناني على ضرورة تعزيز دوره كضامن أساسي للأمن والاستقرار.
وأكد الرئيس أن المؤسسات العسكرية والأمنية يجب أن تكون في صلب أي معادلة مستقبلية، مشيرًا إلى أن استعادة هيبة الدولة تبدأ من قدرتها على فرض الأمن على كامل أراضيها.
كما دعا إلى تضافر الجهود بين الجيش والبلديات والمجتمع المحلي، في إطار شراكة تهدف إلى:
- ضبط الوضع الأمني
- منع الفوضى
- إعادة بناء الثقة بين المواطنين والدولة
ويأتي هذا التركيز في ظل مخاوف من تراجع دور الدولة لصالح قوى غير رسمية، وهو ما يشكل تهديدًا مباشرًا للاستقرار.
رفض «الأمن الذاتي»: تحذير من الانزلاق إلى الفوضى
حذر الرئيس اللبناني من مخاطر اللجوء إلى ما يُعرف بـ«الأمن الذاتي»، حيث تعتمد المجتمعات المحلية على تنظيمات أو مجموعات مسلحة لحماية نفسها.
واعتبر أن هذا المسار، رغم ما قد يوفره من حماية مؤقتة، يؤدي في النهاية إلى تفكك الدولة وتعدد مراكز القوة، ما يفتح الباب أمام صراعات داخلية.
وأكد أن الحل الوحيد المستدام هو حصر الأمن بيد الدولة، عبر مؤسساتها الشرعية، بما يضمن وحدة القرار واستقرار البلاد.
حصر السلاح بيد الدولة: معركة السيادة
وتُعد مسألة السلاح غير الشرعي من أكثر القضايا تعقيدًا في لبنان، حيث ترتبط بتوازنات داخلية وإقليمية دقيقة.
وفي هذا السياق، شدد الرئيس عون على أن حصر السلاح بيد الدولة يمثل هدفًا أساسيًا في المرحلة المقبلة، باعتباره شرطًا لتحقيق الاستقرار وإعادة بناء الدولة.
ويرى مراقبون أن هذا الطرح يعكس رغبة في:
- إنهاء مظاهر الفوضى المسلحة
- تعزيز سيادة القانون
- تقوية مؤسسات الدولة
لكن في المقابل، يواجه هذا التوجه تحديات كبيرة، نظرًا لارتباط بعض القوى المسلحة بأجندات إقليمية، ما يجعل أي محاولة لنزع سلاحها عملية معقدة وحساسة.
الاقتصاد اللبناني: ضحية الحرب المستمرة
لم تقتصر تداعيات الحرب على الجانب الأمني، بل امتدت لتشمل الاقتصاد اللبناني، الذي كان قد بدأ يُظهر مؤشرات تعافٍ قبل اندلاع المواجهات الأخيرة.
وأشار الرئيس اللبناني إلى أن الحرب أعادت البلاد إلى نقطة الصفر، حيث تضررت القطاعات الحيوية، وتراجع النشاط الاقتصادي، وازدادت معاناة المواطنين.
ومن أبرز التأثيرات الاقتصادية:
- تراجع الاستثمارات
- ارتفاع معدلات البطالة
- تدهور العملة
- زيادة معدلات الفقر
وأكد أن نجاح المفاوضات وتثبيت وقف إطلاق النار يمثلان شرطًا أساسيًا لاستعادة الاستقرار الاقتصادي.
البعد الإنساني: معاناة النازحين وأولوية الدعم
في ظل التصعيد، يواجه لبنان أزمة إنسانية متفاقمة، خاصة مع تزايد أعداد النازحين من المناطق الجنوبية.
وأشار الرئيس إلى أن الحكومة تعمل بالتعاون مع الجهات الدولية لتأمين الدعم اللازم للمتضررين، سواء من خلال:
- توفير المساعدات الإنسانية
- إعادة تأهيل البنية التحتية
- دعم المجتمعات المحلية
وتبقى هذه الجهود مرهونة بمدى استقرار الوضع الأمني، حيث يصعب تحقيق أي تقدم في ظل استمرار القتال.
التحديات السياسية: توازنات داخلية معقدة
يواجه لبنان تحديات سياسية كبيرة، حيث تتداخل الانقسامات الداخلية مع الضغوط الخارجية.
وتسعى الدولة إلى تحقيق توازن دقيق بين:
- الحفاظ على السيادة
- تجنب التصعيد العسكري
- الاستجابة للضغوط الدولية
وفي هذا السياق، تمثل رؤية الرئيس عون محاولة لإيجاد أرضية مشتركة يمكن البناء عليها لتحقيق الاستقرار.
السيناريوهات المستقبلية: بين النجاح والفشل
في ضوء المعطيات الحالية، يمكن تصور عدة سيناريوهات:
1. نجاح المسار التفاوضي
قد تؤدي المفاوضات إلى وقف دائم لإطلاق النار، وبدء مرحلة إعادة الإعمار.
2. استمرار الوضع الراهن
قد تستمر المواجهات المحدودة دون تصعيد شامل.
3. انهيار المسار السياسي
في حال فشل المفاوضات، قد تنزلق البلاد إلى مواجهة أوسع.
وتقف الدولة اللبنانية اليوم أمام اختبار حقيقي لقدرتها على إعادة فرض سلطتها، وتحقيق التوازن بين الأمن والسياسة.
ومع طرح معادلة «التفاوض بلا استسلام والسلاح بيد الدولة»، يحاول الرئيس جوزيف عون رسم طريق صعب لكنه ضروري، للخروج من دائرة الصراع المستمر.
ويبقى نجاح هذه المعادلة مرهونًا بمدى قدرة الدولة على ترجمتها إلى واقع، في ظل تحديات داخلية وخارجية معقدة، تجعل من كل خطوة نحو الاستقرار إنجازًا بحد ذاته.