مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

صفقات قبل القرار بدقائق.. من يقف خلف أرباح النفط المشبوهة؟

نشر
الأمصار

تتزايد الشكوك حول نزاهة التداول في أسواق النفط العالمية، بعدما كشفت تقارير عن تنفيذ صفقات ضخمة قبل دقائق فقط من صدور قرارات سياسية وعسكرية مؤثرة تتعلق بالحرب على إيران، التي اندلعت أواخر فبراير الماضي. 

هذه الصفقات، التي تركزت بشكل أساسي على المراهنة على انخفاض أسعار النفط، أثارت تساؤلات حادة حول احتمالية وجود تسريب معلومات داخلية أو تلاعب منظم في الأسواق.

وكانت أحدث هذه الوقائع قد حدثت الأسبوع الماضي، حين جرى تنفيذ صفقة بيع على المكشوف بقيمة تقترب من مليار دولار قبل نحو 10 دقائق فقط من إعلان طهران إعادة فتح مضيق هرمز، وهو القرار الذي وافق عليه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لاحقًا وما إن صدر الإعلان حتى هبطت أسعار النفط بنحو 12% خلال دقائق، ما يعني تحقيق أرباح هائلة وسريعة لصاحب الصفقة.

ما هو البيع على المكشوف؟
يعتمد البيع على المكشوف، أو ما يُعرف بـ"الشورت سيلينج"، على اقتراض أصول مثل الأسهم أو السلع وبيعها بسعر مرتفع، على أمل إعادة شرائها لاحقًا بسعر أقل وتحقيق الربح من الفارق.

 ورغم أن هذه الآلية تُعد أداة استثمارية مشروعة، فإن استخدامها في توقيتات دقيقة قبل أحداث مؤثرة يثير شبهات قوية بشأن استغلال معلومات غير متاحة للعامة.

يُذكر أن هذا النظام جرى تفعيله مؤخرًا في بعض الأسواق، من بينها البورصة المصرية مطلع مارس الماضي، كما كان موضع جدل واسع خلال الأزمة المالية العالمية في 2008، حيث وُجهت إليه اتهامات بتسريع انهيار الأسواق.

سلسلة صفقات تثير القلق
لم تكن الواقعة الأخيرة استثناءً، بل جاءت ضمن سلسلة من التحركات المتشابهة. ففي 23 مارس، تم تنفيذ صفقة بيع على المكشوف بقيمة 500 مليون دولار قبل 15 دقيقة فقط من إعلان تأجيل ضربة عسكرية أمريكية على إيران، وهو القرار الذي أدى إلى تراجع أسعار النفط بنسبة 15%، محققًا أرباحًا ضخمة للمستثمر.

وفي 7 أبريل، تكرر السيناريو عندما جرى تنفيذ صفقة أخرى بقيمة 950 مليون دولار قبل ساعات من إعلان هدنة لمدة أسبوعين بين الولايات المتحدة وإيران، وهي الخطوة التي أثرت أيضًا بشكل مباشر على السوق.

هذا النمط المتكرر صفقات ضخمة تسبق قرارات حساسة دفع مراقبين إلى الاعتقاد بوجود شبكة أو جهات تستفيد من معلومات مبكرة حول توجهات السياسة الأمريكية.

تحقيقات رسمية وتحذيرات صارمة
في هذا السياق، بدأت لجنة تداول السلع الآجلة الأمريكية تحقيقًا موسعًا في هذه الصفقات، مع التركيز على تداولات عقود النفط الآجلة التي تمت عبر منصات رئيسية. ووفقًا لمصادر مطلعة، فإن التحقيق يشمل على الأقل حالتين بارزتين وقعتا في 23 مارس و7 أبريل.

وأكد رئيس اللجنة في تصريحات موجهة للكونجرس أن الجهات الرقابية لن تتهاون مع أي ممارسات احتيالية أو تداول قائم على معلومات داخلية، مشددًا على أن المخالفين سيواجهون أقصى العقوبات القانونية.

كما أشار إلى أن الهيئة تراقب الأسواق عن كثب، خاصة في ظل الظروف الجيوسياسية الحساسة التي قد تخلق فرصًا غير عادلة للبعض على حساب استقرار الأسواق.

قلق سياسي ودعوات للمساءلة
أثارت هذه التطورات قلقًا واسعًا بين المشرعين والخبراء القانونيين، الذين حذروا من أن القرارات المرتبطة بالحرب والدبلوماسية قد تتحول إلى أدوات لتحقيق مكاسب مالية غير مشروعة.

وفي هذا الإطار، دعت شخصيات سياسية بارزة إلى توسيع نطاق التحقيقات، خاصة فيما يتعلق بإمكانية تورط مسؤولين أو مطلعين على دوائر صنع القرار في عمليات تداول مشبوهة.

كما حذر البيت الأبيض موظفيه من استغلال مناصبهم لتحقيق مكاسب في أسواق العقود الآجلة، في خطوة تعكس إدراكًا متزايدًا لخطورة الوضع.

ظاهرة تتجاوز الأسواق التقليدية
لم تقتصر الشبهات على أسواق النفط التقليدية، بل امتدت إلى منصات التنبؤ الرقمية التي شهدت نشاطًا غير مسبوق قبل الأحداث الكبرى. فقد سُجلت زيادة ملحوظة في عدد الحسابات التي راهنت على اندلاع الحرب قبل حدوثها بيوم واحد، حيث قام أكثر من 150 حسابًا بوضع رهانات دقيقة توقعت الضربة العسكرية.

وفي واقعة أخرى لافتة، تمكن أحد المتداولين من تحويل 32 ألف دولار إلى أكثر من 400 ألف دولار عبر المراهنة على حدث سياسي قبل الإعلان الرسمي عنه بساعات، ما يعزز فرضية وجود تسريبات أو استغلال لمعلومات حساسة.

نمط يصعب تجاهله
مع تكرار هذه الوقائع، أصبح من الصعب تجاهل النمط الواضح الذي يربط بين القرارات السياسية الكبرى وتحركات الأسواق المالية. ويرى محللون أن استمرار هذا الوضع دون مساءلة صارمة قد يقوض الثقة في نزاهة الأسواق العالمية، ويعزز مناخًا يسمح بالتلاعب والاستفادة غير المشروعة.

في ظل هذه التطورات، تتجه الأنظار إلى نتائج التحقيقات الجارية، والتي قد تكشف عن واحدة من أخطر قضايا التلاعب في الأسواق المالية خلال السنوات الأخيرة، خاصة في ظل تداخل السياسة بالاقتصاد بشكل غير مسبوق.