جهود دولية وإقليمية مكثفة لإعادة رسم المشهد السياسي في ليبيا
تشهد الساحة الليبية في الآونة الأخيرة حالة من الحراك السياسي والدبلوماسي المكثف، وسط جهود دولية وإقليمية متسارعة تهدف إلى إعادة ضبط المسار السياسي في البلاد، ودفع الأطراف الليبية نحو تسوية شاملة تنهي سنوات من الانقسام والصراع.

وبين مساعي توحيد المؤسسات الاقتصادية والعسكرية، ومحاولات إحياء العملية السياسية، يبقى المشهد معقدًا في ظل تداخل المصالح الداخلية والخارجية، واستمرار حالة عدم الاستقرار.
تحركات دولية لإحياء المسار السياسي
تتزايد في الوقت الراهن التحركات الدولية بشأن الملف الليبي، حيث تعمل الأمم المتحدة وعدد من القوى الغربية على الدفع نحو استئناف مسار سياسي شامل، يفضي إلى انتخابات وطنية تعيد تشكيل السلطة في البلاد على أسس ديمقراطية واضحة.
وفي هذا الإطار، تواصل البعثة الأممية جهودها عبر لقاءات مكثفة مع أطراف ليبية ودولية، بهدف تقريب وجهات النظر وتوحيد الرؤى حول مستقبل المرحلة الانتقالية.
وتؤكد الأمم المتحدة أن نجاح أي تسوية سياسية مرهون بتوافر دعم دولي منسق، إلى جانب التزام داخلي حقيقي من الأطراف الليبية المختلفة.
كما تشدد البعثة على أهمية تهيئة بيئة مناسبة لإجراء الانتخابات، باعتبارها المدخل الأساسي لإنهاء الانقسام المؤسسي والسياسي المستمر منذ سنوات.
تحركات موازية نحو توحيد المؤسسات
على صعيد آخر، يشهد الملف الليبي تحركات موازية تركز على توحيد المؤسسات السيادية، خاصة المالية والعسكرية، باعتبارها حجر الأساس لأي عملية استقرار مستدامة.
وتعمل أطراف دولية بالتنسيق مع قادة ليبيين على الدفع نحو اتفاقات تتعلق بتوحيد الإنفاق العام، والحد من الانقسام المالي الذي تسبب خلال السنوات الماضية في ازدواجية الإنفاق وغياب الشفافية.
كما برزت خلال الفترة الأخيرة محاولات لتعزيز التنسيق بين شرق وغرب البلاد فيما يتعلق بالمؤسسة العسكرية، في خطوة ينظر إليها على أنها محاولة لخلق أرضية مشتركة قد تمهد لتسوية أوسع، رغم استمرار التحديات المرتبطة بغياب الثقة وتباين الأولويات السياسية والعسكرية.
دعم دولي وتأكيد على الاستقرار الاقتصادي
في السياق ذاته، أبدت أطراف دولية اهتمامًا متزايدًا بالجانب الاقتصادي في ليبيا، باعتباره أحد المفاتيح الرئيسية لتحقيق الاستقرار.
وقد شهدت بعض اللقاءات الدولية والإقليمية إشادة بخطوات تتعلق باتفاقات مالية تهدف إلى ضبط الإنفاق العام وتعزيز الرقابة على الموارد، بما يسهم في تقليل الفجوة بين المؤسسات المتوازية.
كما جرى التأكيد على أهمية تحسين إدارة المالية العامة، ومعالجة الاختلالات التي تراكمت خلال سنوات الانقسام، إلى جانب دعم برامج التعاون الفني في مجالات الاقتصاد وإدارة الموارد.
ويُنظر إلى هذه الخطوات باعتبارها جزءًا من مقاربة أوسع تهدف إلى بناء الثقة بين الأطراف المختلفة، وتهيئة بيئة اقتصادية أكثر استقرارًا تساعد على دفع العملية السياسية إلى الأمام.
التحديات أمام مسار التسوية
ورغم الزخم الدولي والإقليمي، لا يزال المسار السياسي في ليبيا يواجه العديد من العقبات التي تعرقل الوصول إلى حل نهائي.
وتبرز في مقدمة هذه التحديات حالة الانقسام السياسي والمؤسسي المستمرة، وغياب توافق داخلي شامل حول شكل الدولة المستقبلية، إضافة إلى تضارب المصالح بين القوى الفاعلة داخل البلاد.
كما أن التدخلات الخارجية المتعددة، وتعدد الأجندات الإقليمية والدولية، تزيد من تعقيد المشهد، وتضع العملية السياسية في دائرة من التجاذبات التي تؤثر على فرص نجاح أي تسوية دائمة.
ويؤكد مراقبون أن أي تقدم حقيقي يتطلب أولًا بناء توافق داخلي ليبي–ليبي، يحدد أولويات المرحلة المقبلة، ويضع أسسًا واضحة لتوزيع السلطة والثروة.
جذور الأزمة الليبية
تعود جذور الأزمة الليبية إلى ما بعد تعثر العملية الانتخابية في عام 2021، والتي كان يُعوّل عليها لإنهاء المرحلة الانتقالية الطويلة. إلا أن فشل إجراء الانتخابات في موعدها أدى إلى استمرار حالة الانقسام السياسي، وظهور حكومات متوازية في شرق وغرب البلاد.
هذا الواقع ساهم في تعميق الأزمة المؤسسية، وخلق حالة من الازدواجية في إدارة الدولة، سواء على المستوى التنفيذي أو المالي أو الأمني، وهو ما انعكس بشكل مباشر على حياة المواطنين، وأضعف قدرة المؤسسات على تقديم الخدمات الأساسية.
ومع مرور الوقت، أصبحت ليبيا ساحة مفتوحة لتقاطع النفوذ الإقليمي والدولي، ما زاد من تعقيد الحلول المطروحة، وجعل الوصول إلى تسوية شاملة أكثر صعوبة.
يمكن القول إن ليبيا تقف اليوم عند مرحلة دقيقة من تاريخها السياسي، حيث تتداخل فيها محاولات التسوية مع تحديات الانقسام، وتتصاعد فيها الجهود الدولية في مقابل تعقيدات داخلية متراكمة.
وبينما يواصل المجتمع الدولي الدفع نحو حل سياسي شامل، يبقى نجاح هذه الجهود مرهونًا بقدرة الليبيين أنفسهم على تجاوز خلافاتهم، والتوافق على مشروع وطني جامع يعيد بناء الدولة على أسس مستقرة.
وفي ظل هذا الواقع، يظل المشهد الليبي مفتوحًا على عدة احتمالات، بين إمكانية التقدم نحو تسوية تدريجية، أو استمرار حالة الجمود السياسي، ما لم تحدث اختراقات حقيقية تعيد ضبط المسار من جديد.

