مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

هدنة لبنان وإسرائيل.. هل هي فرصة سلام حقيقية؟

نشر
الأمصار

في تطور سياسي وأمني لافت في منطقة الشرق الأوسط، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل لمدة عشرة أيام، بعد أكثر من شهر من المواجهات العسكرية المتصاعدة بين الجيش الإسرائيلي وحزب الله اللبناني. 

ويأتي هذا الإعلان في وقت بالغ الحساسية إقليميًا ودوليًا، وسط مخاوف من تحول الاشتباكات المحدودة إلى حرب أوسع قد تهدد استقرار المنطقة بأكملها.

وبحسب ما أعلنه ترامب، فإن الهدنة دخلت حيز التنفيذ اعتبارًا من ليل الخميس، وذلك بعد اتصالات مباشرة أجراها مع كل من الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في إطار وساطة أمريكية تهدف إلى احتواء التصعيد العسكري على الحدود الجنوبية للبنان.


وأشار الرئيس الأمريكي إلى أنه يعتزم دعوة القيادتين اللبنانية والإسرائيلية إلى واشنطن خلال الفترة المقبلة، من أجل بحث إمكانية التوصل إلى اتفاق سلام طويل الأمد بين البلدين اللذين لا يزالان في حالة عداء رسمي منذ عقود.

موقف حزب الله من الهدنة

وفي أول رد فعل على إعلان وقف إطلاق النار، أصدر حزب الله اللبناني موقفًا اعتبر فيه أن استمرار وجود القوات الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية يمنح الشعب اللبناني “حق المقاومة”، مؤكدًا في الوقت ذاته أن أي اتفاق لوقف إطلاق النار يجب أن يكون شاملًا وكاملًا، ولا يسمح لإسرائيل بحرية التحرك العسكري داخل الجنوب اللبناني.


وقال الحزب إن التهدئة الحالية يجب أن تتضمن وقف جميع أشكال “الأعمال العدائية”، بما في ذلك عمليات الاغتيال والاستهداف العسكري، مع ضمان تقييد التحركات الإسرائيلية على الحدود.


كما شدد الحزب على أنه سيتعامل مع الاتفاق “بحذر شديد”، ربطًا بالتزام الطرف الآخر ببنود واضحة ومحددة، وهو ما يعكس حالة عدم الثقة بين الجانبين رغم إعلان وقف إطلاق النار.


موقف الحكومة اللبنانية


من جانبه، دعا رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، وهو أحد أبرز حلفاء حزب الله في الساحة السياسية اللبنانية، المواطنين في لبنان إلى التريث وعدم التوجه إلى القرى والبلدات الحدودية في الجنوب، لحين اتضاح تفاصيل تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار.


وأكدت مصادر سياسية لبنانية أن الدولة اللبنانية، التي تواجه تحديات اقتصادية وأمنية معقدة، تنظر إلى الاتفاق باعتباره فرصة لالتقاط الأنفاس، خصوصًا بعد أشهر من التوتر العسكري الذي أثر على البنية التحتية في مناطق واسعة من جنوب البلاد.


وتسعى الحكومة اللبنانية إلى تجنب الانزلاق نحو حرب شاملة، في ظل ضغوط داخلية وخارجية متزايدة لوقف التصعيد العسكري وإعادة الاستقرار إلى المناطق الحدودية.


إسرائيل والرد العسكري المستمر


على الجانب الآخر، لم تصدر الحكومة الإسرائيلية تفاصيل موسعة حول الاتفاق، إلا أن تقارير إعلامية إسرائيلية أشارت إلى أن وقف إطلاق النار يأتي بعد ضغوط أمريكية مكثفة على تل أبيب لاحتواء التصعيد مع حزب الله.


ورغم ذلك، تؤكد إسرائيل أنها ستحتفظ بحقها في الرد على أي هجمات تنطلق من الأراضي اللبنانية، وهو ما يبقي احتمالات عودة التصعيد قائمة في أي لحظة إذا انهارت التفاهمات الحالية.


وتشهد الحدود الشمالية لإسرائيل مع لبنان توترًا متصاعدًا منذ أسابيع، حيث تبادل الطرفان القصف الصاروخي والغارات الجوية، ما أدى إلى خسائر بشرية ومادية على الجانبين، وأثار مخاوف من اتساع رقعة الحرب في المنطقة.


خلفية التصعيد العسكري


تعود جذور التصعيد الأخير إلى سلسلة من العمليات المتبادلة بين الجيش الإسرائيلي وحزب الله، حيث شهدت الفترة الماضية تصعيدًا غير مسبوق في وتيرة الهجمات، شمل قصفًا متبادلاً على مناطق حدودية، إضافة إلى استهداف مواقع عسكرية واستراتيجية.


وخلال الأيام التي سبقت إعلان الهدنة، كثف حزب الله من عملياته الصاروخية باتجاه شمال إسرائيل، في حين رد الجيش الإسرائيلي بغارات جوية استهدفت مواقع داخل الأراضي اللبنانية، خاصة في الجنوب.


وتزامن هذا التصعيد مع تحركات دبلوماسية مكثفة تقودها الولايات المتحدة الأمريكية، بهدف منع تحول المواجهات المحدودة إلى حرب إقليمية أوسع، قد تشمل أطرافًا أخرى في المنطقة.


قراءة في أبعاد الهدنة


يرى مراقبون أن اتفاق وقف إطلاق النار لمدة عشرة أيام يمثل اختبارًا حقيقيًا لمدى إمكانية التوصل إلى تهدئة مستدامة بين الطرفين، لكنه في الوقت ذاته لا يحمل ضمانات كافية لمنع انهياره، في ظل استمرار الخلافات الجوهرية بين إسرائيل وحزب الله.


كما يشير محللون إلى أن وصف حزب الله للاتفاق بأنه “مشروط” يعكس رغبة الحركة في الاحتفاظ بهامش من المناورة السياسية والعسكرية، بما يسمح لها بالرد في حال خرق أي من البنود.


في المقابل، تعتبر إسرائيل أن أي وقف لإطلاق النار يجب أن يضمن منع الحزب من إعادة تعزيز قدراته العسكرية في الجنوب اللبناني، وهو ما يمثل نقطة خلاف أساسية بين الجانبين.


الدور الأمريكي في الوساطة


تلعب الولايات المتحدة دورًا محوريًا في محاولة تثبيت التهدئة بين لبنان وإسرائيل، حيث تسعى إدارة ترامب إلى تسجيل اختراق دبلوماسي جديد في ملف معقد طال أمده لعقود.


وتشير تصريحات أمريكية إلى أن واشنطن ترى في هذه الهدنة فرصة لبناء مسار سياسي جديد في المنطقة، خاصة في ظل التوترات المتصاعدة على أكثر من جبهة في الشرق الأوسط.


كما تسعى الإدارة الأمريكية إلى منع امتداد الصراع إلى أطراف إقليمية أخرى، وهو ما قد يؤدي إلى حرب أوسع تهدد المصالح الأمريكية وحلفائها في المنطقة.


مستقبل غير محسوم


رغم الترحيب الدولي الحذر بإعلان وقف إطلاق النار، إلا أن المشهد على الأرض لا يزال هشًا، في ظل استمرار حالة التوتر وانعدام الثقة بين الأطراف.


ويبقى السؤال الأبرز: هل تمثل هذه الهدنة بداية طريق نحو تسوية سياسية شاملة بين لبنان وإسرائيل، أم أنها مجرد هدنة مؤقتة سرعان ما ستنهار مع أول خرق ميداني؟


وفي ظل المعطيات الحالية، تبدو الإجابة غير محسومة، بينما يترقب العالم ما ستسفر عنه الأيام العشرة المقبلة، والتي قد تحدد مستقبل الصراع في واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم.