مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

ما موقف أذرع إيران من قرار وقف إطلاق النار؟

نشر
الأمصار

في أعقاب إعلان وقف إطلاق النار المرتبط بالتصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى في أبريل 2026، برزت أذرع إيران الإقليمية كلاعب رئيسي في تحديد مسار المرحلة التالية. هذه الأذرع، التي تشمل حزب الله في لبنان، والفصائل المسلحة الموالية لطهران في العراق، وجماعة أنصار الله (الحوثيين) في اليمن، لا تتحرك بمعزل عن الاستراتيجية الإيرانية، لكنها في الوقت ذاته تخضع لاعتبارات محلية معقدة تفرض عليها مواقف متباينة من التهدئة.

هذا التباين يعكس طبيعة المشهد الإقليمي المركب، حيث لا يمكن النظر إلى وقف إطلاق النار باعتباره نهاية للصراع، بل مرحلة انتقالية تحمل في طياتها احتمالات الاستقرار أو الانفجار.

حزب الله: حسابات دقيقة بين الالتزام والحذر

يعد حزب الله الطرف الأكثر ارتباطًا بتداعيات وقف إطلاق النار، نظرًا لموقعه الجغرافي المباشر على خط التماس مع إسرائيل. ومن هذا المنطلق، يتعامل الحزب مع التهدئة بحذر شديد، إذ يرى فيها فرصة لتخفيف الضغط عن إيران، لكنه في المقابل يخشى من أن تتحول إلى أداة لتقييد نشاطه العسكري.

التحدي الأساسي أمام الحزب يتمثل في احتمال فرض ترتيبات أمنية جديدة في جنوب لبنان، قد تشمل تشديد تطبيق القرارات الدولية، وهو ما قد يحد من حرية تحركه. كما أن أي تفاهمات إقليمية قد تؤثر على مستوى الدعم الإيراني له، سواء من حيث التمويل أو التسليح.

لذلك، يسعى حزب الله إلى الحفاظ على توازن دقيق: قبول التهدئة شكليًا، مع الاستمرار في تعزيز جاهزيته العسكرية، تحسبًا لأي تطورات مفاجئة. هذا النهج يعكس إدراك الحزب أن وقف إطلاق النار قد يكون مؤقتًا، وليس تحولًا استراتيجيًا دائمًا.

الفصائل العراقية: انقسام بين السياسة والسلاح

في العراق، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا، حيث تتعامل الفصائل المسلحة الموالية لإيران مع وقف إطلاق النار بقدر كبير من التردد. فمن جهة، ترى هذه الفصائل أن التهدئة تمثل مكسبًا سياسيًا لطهران، ومن جهة أخرى تخشى أن تفرض عليها قيودًا تحد من دورها العسكري.

المعضلة الأساسية لهذه الفصائل تتمثل في علاقتها مع الوجود الأمريكي في العراق، والذي تعتبره هدفًا رئيسيًا. وبالتالي، فإن أي تهدئة قد تعني تجميد عملياتها، وهو ما يتعارض مع عقيدتها القتالية.

إضافة إلى ذلك، قد تستغل الحكومة العراقية هذه المرحلة للضغط باتجاه دمج هذه الفصائل في مؤسسات الدولة أو تقليص نفوذها، وهو ما يهدد استقلاليتها. هذا الوضع يفتح الباب أمام احتمالات الانقسام داخل هذه الفصائل، بين تيار سياسي يميل إلى التهدئة، وآخر عسكري يرفض التخلي عن السلاح.

الحوثيون: براغماتية مشروطة بالمكاسب

أما في اليمن، فتتبنى جماعة أنصار الله (الحوثيون) موقفًا أكثر مرونة، قائمًا على البراغماتية. فالجماعة لا ترفض التهدئة من حيث المبدأ، لكنها تربطها بتحقيق مكاسب ملموسة، مثل تخفيف الحصار أو تحسين الأوضاع الإنسانية.

في الوقت ذاته، ترفض الجماعة أي تسوية تحد من قدرتها على استخدام أدوات الضغط، خاصة في البحر الأحمر، حيث تمثل تهديداتها للملاحة الدولية ورقة استراتيجية مهمة. ومن هنا، يمكن القول إن الحوثيين ينظرون إلى وقف إطلاق النار كفرصة للتفاوض وليس كالتزام نهائي.

هذه البراغماتية تجعل موقف الجماعة قابلًا للتغير السريع، وفقًا لمجريات الأحداث والمكاسب التي يمكن تحقيقها.

الارتباط بإيران: العامل الحاسم

رغم التباينات الظاهرة، تظل أذرع إيران مرتبطة بشكل وثيق بالتوجهات الاستراتيجية لطهران. هذا الارتباط لا يقتصر على الدعم العسكري والمالي، بل يمتد إلى التنسيق السياسي والتوجيه العام.

وبالتالي، فإن قرار وقف إطلاق النار يفرض على هذه الأطراف نوعًا من الالتزام النسبي بالتهدئة، دعمًا للمسار الدبلوماسي الإيراني. إلا أن هذا الالتزام ليس مطلقًا، بل يخضع لحسابات كل طرف وظروفه الخاصة.

بعبارة أخرى، يمكن اعتبار سلوك هذه الأذرع انعكاسًا لمعادلة مزدوجة: الالتزام بالخط الإيراني العام، مع الحفاظ على هامش من الاستقلالية التكتيكية.

الضغوط الداخلية وتباين البيئات

تلعب العوامل المحلية دورًا مهمًا في تشكيل مواقف هذه الأذرع. ففي لبنان، يواجه حزب الله ضغوطًا اقتصادية وسياسية متزايدة، تدفعه إلى تجنب التصعيد الشامل. وفي العراق، تتزايد مطالب الدولة بفرض سيادتها وتقليص نفوذ الجماعات المسلحة. أما في اليمن، فيسعى الحوثيون إلى تعزيز موقعهم السياسي وتحقيق مكاسب إنسانية.

هذه التباينات تجعل من الصعب على أذرع إيران تبني موقف موحد من وقف إطلاق النار، حيث تضطر كل جهة إلى موازنة التزاماتها الإقليمية مع أولوياتها الداخلية.

التهدئة كتكتيك لا كاستراتيجية

من الواضح أن أذرع إيران لا تنظر إلى وقف إطلاق النار كهدف نهائي، بل كأداة تكتيكية يمكن توظيفها لتحقيق مكاسب مرحلية. فالتهدئة توفر فرصة لإعادة ترتيب الصفوف، وتعزيز القدرات، والتقاط الأنفاس بعد فترات التصعيد.

وفي هذا السياق، فإن الالتزام بالتهدئة يظل مشروطًا بمدى تحقيق هذه الأهداف، وباستمرار التوازن في العلاقة مع إيران. كما أن هذه الأطراف تحرص على عدم تقديم تنازلات جوهرية قد تضعف موقعها في حال عودة التصعيد.

احتمالات المستقبل: بين الهشاشة والتصعيد

تدرك أذرع إيران أن أي تسوية حالية قد تكون هشة وقابلة للانهيار، خاصة في ظل استمرار التوترات الإقليمية. لذلك، تحافظ هذه الأطراف على جاهزيتها العسكرية، وتتعامل مع وقف إطلاق النار باعتباره مرحلة مؤقتة.

وفي حال فشل المسار الدبلوماسي أو تجدد التصعيد، فمن المرجح أن تعود هذه الأذرع إلى الانخراط العسكري بشكل أكبر، مستفيدة من خبراتها السابقة وشبكاتها الإقليمية.

في المجمل، تعكس مواقف أذرع إيران من وقف إطلاق النار حالة من التوازن الدقيق بين التهدئة والاستعداد للتصعيد. فهذه الأطراف لا تنسحب من المشهد، بل تعيد تموضعها وفقًا للمتغيرات الإقليمية والدولية.

وبينما تلتزم ظاهريًا بالتهدئة، فإنها تبقي على خياراتها مفتوحة، في انتظار ما ستسفر عنه المرحلة المقبلة. وهكذا، يبقى مستقبل هذه الأذرع مرتبطًا بتطورات الصراع الأوسع، في ظل مشهد إقليمي لا يزال مفتوحًا على كافة الاحتمالات.