مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

عبد الرحمن شلقم يكتب: تفكيك ما يقولون وما يكتبون وما يفعلون

نشر
الأمصار

وسائلُ الإعلام، عنوانٌ يحتوي حزمةً كبيرةً ومتنوعة من أدوات للاتصال والتواصلِ الفردي والجماعي، بين الحشودِ المختلفةِ من الناس. يختلف القائلونَ والكاتبونَ والفاعلون والمستمعون والمشاهدون، والمرسلون والمتسلمون، والمنتجون والمستهلكون. العواطفُ والأحكام المسبقة، والاصطفاف العقيدي والسياسي، لها تأثيرٌ فاعلٌ في كل الحالات. رجالُ السياسة تختلف مراتبهم ومراكزهم، وكل نظام حكم له خرائطه الصوتية ودرجات انفعالاتها. علمُ النظريةِ السياسية، به فرع يُسمى «تحليل المضمون» يستعين به صانعو القرار السياسي، ومراكز البحوث السياسية؛ لفهم الدوافع المحركة لما يصدر عن القادة والوزراء ومساعديهم، من قرارات وخطب وبيانات وتصريحات. في زمن الأزمات السياسية والاقتصادية والحروب، ينشط الخبراء والباحثون، في غرف عمليات مغلقة يضعون فيها ما يصدر عن الخصوم، وحتى الحلفاء والمؤيدين، من تصريحات وبيانات وآراء على وسائل الإعلام، وما يصل من معلومات سرية عبر أجهزة المخابرات، ويسهرون على تفكيكها لقراءة ما يغوص فيها.

 

في علم التكتيك العسكري، هناك عمليات تُسمى «الإنزال خلف خطوط العدو». مهمة المحللين السياسيين، الإنزال في ميدان عقل الخصم. محطات خطيرة في تاريخ المواجهات والصراعات الإقليمية والدولية، قاتلت فيها العقول بسلاح تفكيك المعلومات، التي ترشح من الخصم وعنه. في الحرب العالمية الثانية، كان الهجوم الألماني على خليج غدانسك البولندي، الشرارة التي أشعلت الحرب. أعلنت كل من فرنسا وبريطانيا الحرب على ألمانيا. اندفع الجيش النازي واحتل فرنسا والأراضي الواطئة، انسحب الجيشان البريطاني والفرنسي من ميناء دنكرك. شنَّ الطيران الألماني غارات مُدمِّرة على لندن، ووجدت بريطانيا نفسها وحيدة تواجه قوة جوية ألمانية، لا سابق لها في التاريخ. قرر رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل المقاومة. ارتفعت أصوات داخل بريطانيا، تقدح في القدرات القيادية لرئيس الوزراء تشرشل. خلال الحرب العالمية الأولى، كان ونستون تشرشل وزيراً للبحرية، وقامت القوات البريطانية والفرنسية، بهجوم على مضيق غاليبولي التركي؛ للسيطرة على مضيق الدردنيل، لكن الهجوم فشل وقُتل فيه آلاف الجنود من الحلفاء، وكانت الخسارة مروعة.

تشرشل تعلم كثيراً من كارثة غاليبولي. أولاً المعلومات الدقيقة عن القدرات العسكرية للعدو، وعن تفاصيل تحركاته التكتيكية وأهدافه الاستراتيجية، ومتابعتها دون توقف، وإعداد الخبرات المؤهلة القادرة على تحقيق ذلك. آلاف من الضباط والخبراء العسكريين والعلماء البولنديين، جاءوا إلى بريطانيا، بعد الغزو الألماني لبلادهم. قدموا خدمة لا تقاس بثمن، عندما نجحوا في فك الشيفرات العسكرية النازية، بتقنية «الأنيغما». ثانياً تطوير تقنية الرادار القادر على تحديد حركة الطيران الألماني بدقة، على شاشات يجلس أمامها خبراء متفوقون. ثالثاً متابعة كل ما يصدر عن أدولف هتلر ومساعديه من العسكريين والسياسيين، من خطابات وبيانات، وما يصدر في وسائل الإعلام الألمانية، ويخضع ذلك للتحليل والدراسة. كل هذه المرتكزات الثلاثة، أسست لقوة مقاومة بريطانية ضاربة.

في سنة 1962، شهد العالم حدثاً مرعباً. نشر الاتحاد السوفياتي صواريخَ نوويةً في كوبا، رداً على نشر أميركا صواريخَ نووية في تركيا. صار العالم على حافة حرب عالمية مرعبة، وانطلق سجال سياسي وإعلامي ناري بين الرئيس الأميركي جون كيندي، والزعيم السوفياتي المندفع نيكيتا خرتشوف. كان السياسي العاقل المحنك دين راسك، وزير خارجية الرئيس الأميركي الشاب جون كيندي، زرع قنوات اتصال سرية في هافانا وموسكو، بالتنسيق مع وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية. المعلومات تفيد بأن ما يصدر عن الزعيم السوفياتي خرتشوف، لا يمثل التوجه العام لكل القادة السوفيات، وفي كوبا حبس الشعب أنفاسه خوفاً من جحيم يلوح. موقف الرئيس كاسترو كان لا يقل تشدداً عن نيكيتا خرتشوف. تمكَّن الوزير دين راسك من لعب دور المهدئ، وقدم مبادرة ترضي الطرفين، تقوم على سحب أميركا صواريخها النووية من تركيا، والاتحاد السوفياتي سحب صواريخه من كوبا.

تاريخ لا ينساه العرب، سنة 1967، التي، ألحقت فيها إسرائيل هزيمةً سريعة، بثلاث دول عربية: مصر وسوريا والأردن. في شهر مايو (أيار) من تلك السنة عقد الرئيس المصري الراحل، مؤتمراً صحافياً دولياً، وأعلن فيه قراره بغلق مضائق تيران أمام السفن الإسرائيلية، واستعداد مصر لمواجهة إسرائيل، وارتفع التصعيد بين الدولتين. القادة العسكريون الإسرائيليون ومعهم السياسيون، عكفوا على تحليل كل كلمة قالها الرئيس عبد الناصر في مؤتمره الصحافي العالمي، وأجمعوا على أن الحرب، قرار فرض نفسه على إسرائيل. رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك كان ليفي أشكول، ركض كبار الضباط إلى بيته وطلبوا منه إعلان التعبئة والإعداد لهجوم استباقي. في فجر يوم الخامس من يونيو (حزيران)، شنت إسرائيل الحرب على مصر وسوريا والأردن. الرئيس المصري الراحل أنور السادات، كان تحرير سيناء الهدف الأول له، بدأ يعد العدة السياسية والعسكرية. المعلومة كانت بالنسبة له الجحفل الحربي الضارب. أتقن عمليات المناورات المستمرة بهذا السلاح. أكثر من مرة تقوم إسرائيل بعمليات تعبئة بعد خطاب أو تصريح للسادات، أو تحريك تضليلي للجيش المصري غرب قناة السويس. اليوم صارت المعلومة قوة ضاربة في الصراع، بقوة دور التقنية في التجسس والتنصت. نحن نعيش اليوم بين صوت الخطاب السياسي المراوغ، ونيران الصواريخ وصافرات الإنذار، واللغو الإعلامي والإنزال وسط عمليات القرار.

 

 

(نقلًا عن صحيفة الشرق الأوسط)