مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

ليبيا تسدد 350 مليون دولار من مستحقات الكهرباء لمصر

نشر
الأمصار

شهد ملف التعاون في قطاع الطاقة بين دولة ليبيا وجمهورية مصر العربية تطورًا لافتًا خلال الفترة الأخيرة، بعدما بدأت ليبيا سداد جزء كبير من مستحقات تصدير الكهرباء لصالح مصر، في خطوة تعكس تحسنًا في إدارة العلاقات المالية بين البلدين وفتح المجال أمام مرحلة أوسع من التكامل في مجالات الطاقة.


وبحسب بيانات حديثة، سددت ليبيا نحو 350 مليون دولار من إجمالي مستحقات الكهرباء المتراكمة لصالح مصر، في حين يتبقى نحو 140 مليون دولار جارٍ العمل على تسويتها عبر آليات مالية متفق عليها بين الجانبين.

أظهرت البيانات أن إجمالي المديونية الليبية المستحقة لصالح مصر نتيجة تصدير الكهرباء بلغ نحو 490 مليون دولار، حيث نجحت السلطات الليبية في سداد الجزء الأكبر من هذه المديونية، ما يعكس تحسنًا ملحوظًا في إدارة الملف المالي بعد سنوات من التراكم.
وجاء تراكم هذه المستحقات نتيجة استمرار تدفق الكهرباء المصرية إلى ليبيا خلال فترات سابقة دون انتظام كامل في عمليات السداد، خاصة في ظل الظروف السياسية والأمنية التي شهدها قطاع الطاقة داخل ليبيا خلال السنوات الماضية.
ويمثل هذا السداد خطوة إيجابية نحو إعادة ضبط العلاقات المالية، ويعزز الثقة المتبادلة بين البلدين، خصوصًا في ظل التوجه نحو توسيع نطاق التعاون الاقتصادي في قطاع الطاقة.

اعتمدت ليبيا بشكل كبير على الكهرباء المصرية، لا سيما في المنطقة الشرقية الليبية، حيث يتم نقل الكهرباء عبر خطوط الربط الكهربائي القائمة منذ أواخر تسعينات القرن الماضي.
وتبلغ القدرة الحالية لخطوط الربط بين مصر وليبيا نحو 150 ميجاوات، وقد لعبت هذه الإمدادات دورًا محوريًا في دعم استقرار الشبكة الليبية وتقليل فترات انقطاع التيار الكهربائي، خاصة في ظل ضعف البنية التحتية للطاقة داخل ليبيا وعدم استقرار الإنتاج المحلي للكهرباء.
ورغم تراكم المستحقات المالية خلال فترات سابقة، استمرت مصر في تصدير الكهرباء إلى ليبيا دون توقف، وهو ما يعكس طبيعة العلاقة الاستراتيجية بين البلدين والتي تتجاوز الأبعاد التجارية التقليدية.

تتم عملية سداد المستحقات عبر نظام جدولة مرنة يعتمد على الدفع التدريجي بدلاً من السداد الفوري، مع وجود احتمالات لاستخدام آليات المقاصة المالية بين البلدين.


ويأتي ذلك بالتزامن مع اتجاه الحكومة المصرية إلى استيراد النفط الليبي بمعدل شحنتين شهريًا، بكمية تقدر بنحو 1 إلى 1.2 مليون برميل، ما يفتح المجال أمام تسوية جزء من الديون من خلال تبادل الطاقة بدلًا من الاعتماد الكامل على السداد النقدي.
ويعكس هذا النموذج طبيعة خاصة لسوق الطاقة في مصر، إذ تواصل القاهرة تصدير الكهرباء إلى عدد من دول الجوار، في الوقت الذي تعتمد فيه على استيراد النفط والغاز لتأمين احتياجات تشغيل محطات الكهرباء.

لا يقتصر التعاون المصري الليبي على القدرات الحالية، بل يمتد إلى خطط توسع طموحة تستهدف زيادة حجم الربط الكهربائي بين البلدين بشكل كبير.
وتسعى الحكومة المصرية إلى رفع القدرة الكهربائية المصدرة إلى ليبيا من نحو 150 ميجاوات حاليًا إلى ما يصل إلى 2000 ميجاوات خلال السنوات المقبلة، بالتوازي مع تطوير خطوط النقل الكهربائي ورفع الجهد إلى 500 كيلوفولت.
كما تشمل هذه الخطط إنشاء مسارات جديدة للربط الكهربائي، من بينها محور السلوم – طبرق، بما يدعم نقل كميات أكبر من الكهرباء ويعزز تكامل الشبكتين المصرية والليبية.

تكتسب ليبيا أهمية كبيرة ضمن الاستراتيجية الإقليمية لقطاع الطاقة في مصر، إذ تمثل سوقًا رئيسية لتصريف فائض الكهرباء، فضلًا عن كونها بوابة محتملة لربط الشبكة المصرية بدول المغرب العربي وامتداداتها داخل القارة الأفريقية.
وفي هذا السياق، تعمل القاهرة على تعزيز موقعها كمركز إقليمي لتجارة وتبادل الكهرباء، مستفيدة من البنية التحتية الضخمة التي تم تطويرها خلال السنوات الأخيرة، إضافة إلى فائض قدرات التوليد المتاحة لديها.

تشير التطورات الأخيرة إلى تحول تدريجي في طبيعة العلاقة بين مصر وليبيا من نموذج قائم على البيع والشراء فقط، إلى صيغة أوسع من تكامل الطاقة، حيث تتداخل عمليات تصدير الكهرباء من مصر مع استيراد النفط من ليبيا، إلى جانب اعتماد تسويات مالية مرنة ومشروعات طويلة الأجل للربط الكهربائي.
ويعكس هذا التحول توجهًا واضحًا نحو تحقيق توازن في المصالح الاقتصادية بين البلدين، مع تقليل الضغوط على العملات الأجنبية وتعزيز الاستقرار المالي للطرفين.

يمثل سداد 350 مليون دولار دفعة مهمة لدعم تدفقات النقد الأجنبي داخل قطاع الكهرباء في جمهورية مصر العربية، كما يعكس قدرة القاهرة على تحصيل مستحقاتها رغم تعقيدات المشهد الاقتصادي داخل ليبيا.
وفي الوقت ذاته، يعزز هذا التطور الدور الإقليمي لمصر في ملف الطاقة، سواء باعتبارها مصدرًا رئيسيًا للكهرباء في المنطقة، أو كمركز محوري لإعادة توزيع الطاقة بين دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.