د.رائد العزاوي يكتب: تفكيك الدولة العراقية وضرب مؤسساتها لصالح من؟
في مشهدٍ يعكس بوضوح خطورة الانزلاق نحو الفوضى، يتكرر استهداف جهاز المخابرات العراقي من قبل جهاتٍ مسلحة ومليشيات تمكنت من الإمساك بمقدرات الدولة والتأثير في مفاصلها، في محاولة تبدو ممنهجة لإضعاف أحد أهم أعمدة الأمن الوطني وتقويض دوره الحيوي في حماية البلاد.
هذا الاستهداف لا يمكن النظر إليه كحوادث معزولة، بل هو مؤشر خطير على خلل عميق في بنية الدولة، وعلى وجود إرادة تسعى إلى إضعاف مؤسساتها السيادية.
إن جهاز المخابرات ليس طرفًا سياسيًا ولا أداة في صراع داخلي، بل يمثل خط الدفاع الأول في مواجهة الإرهاب والتجسس والتهديدات العابرة للحدود.
يعمل هذا الجهاز في صمت وبعيدًا عن الأضواء، متحملًا مسؤوليات جسيمة في حماية الوطن وصون أمن المواطنين دون تمييز. ومن هنا، فإن استهدافه لا يمكن تفسيره إلا كرسالة تهديد مباشرة لهيبة الدولة، ومحاولة لإضعاف قدرتها على فرض النظام وبسط سيادتها، خاصة في ظل مشهد سياسي يعاني أصلًا من التشتت وغياب التوافق الوطني الحقيقي.
تساؤلات خطيرة لا يمكن تجاهلها
ما يحدث اليوم يطرح تساؤلات خطيرة لا يمكن تجاهلها أو القفز فوقها: من المستفيد من إضعاف المؤسسات السيادية؟ ولماذا يتم استهداف جهاز يعمل في الظل لحماية الجميع دون استثناء؟ ولماذا تُترك مثل هذه الاعتداءات دون ردع حاسم يوازي خطورتها؟ إن الإجابة على هذه التساؤلات تقودنا إلى حقيقة مقلقة، مفادها أن هناك قوى لا ترى في استقرار الدولة العراقيه مصلحة لها، بل تسعى إلى إبقاء الوضع في حالة اضطراب مستمر، بما يتيح لها توسيع نفوذها وتعزيز مصالحها الضيقة على حساب المصلحة الوطنية العليا.
إن استمرار هذه الاعتداءات لا يعني فقط استهداف مؤسسة بعينها، بل يفتح الباب على مصراعيه أمام فوضى أمنية متعمدة، ويقوض ما تبقى من ثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، إن تبقى منها شيء. فالدولة التي تُستهدف أجهزتها الأمنية دون ردع حقيقي تفقد تدريجيًا قدرتها على حماية شعبها، وتتحول إلى كيان هش تتنازعه مراكز القوى المختلفة، حيث يصبح القانون ضعيفًا، وتعلو فوقه أصوات السلاح والنفوذ غير المشروع.
كما أن هذا الواقع ينعكس بشكل مباشر على حياة المواطنين اليومية، حيث يتزايد الشعور بعدم الأمان، وتتراجع الثقة في قدرة الدولة على فرض النظام، ما يدفع البعض إلى البحث عن بدائل قد تكون خارج إطار القانون، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد ويعمّق دائرة الفوضى. ومع كل اعتداء جديد، تتآكل هيبة الدولة أكثر، ويتكرس منطق الإفلات من العقاب، وهو أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة تسعى إلى الاستقرار.
المطلوب اليوم لا يقتصر على إدانة هذه الأفعال أو التنديد بها في البيانات الرسمية، بل يتطلب موقفًا وطنيًا واضحًا وحازمًا، يقوم على دعم المؤسسات الأمنية الرسمية وتعزيز قدراتها، وتوفير الحماية اللازمة لها، ومحاسبة كل من تسول له نفسه الاعتداء على هيبة الدولة أو تقويض استقرارها. فحماية هذه المؤسسات ليست خيارًا سياسيًا، بل ضرورة وجودية لبقاء الدولة نفسها.
إن العراق لا يمكن أن يُبنى في ظل تعدد مراكز القوة، ولا يمكن أن يستقر دون حماية مؤسساته السيادية من الاستهداف والتقويض. فالدولة القوية تبدأ من احترام أجهزتها، وتمكينها من أداء دورها دون ضغوط أو تهديدات، ومنع تحويلها إلى أهداف في صراعات لا تخدم إلا الفاسدين وأعداء الوطن. كما أن ترسيخ مفهوم الدولة يتطلب حصر السلاح بيدها، وتعزيز سيادة القانون، وإعادة الاعتبار للمؤسسات الرسمية بوصفها المرجعية الوحيدة لإدارة شؤون البلاد.
وفي النهاية، يبقى الحفاظ على هيبة الدولة مسؤولية مشتركة، تتطلب وعيًا جماعيًا وإرادة حقيقية لإعادة الاعتبار للمؤسسات، ووضع حد لكل محاولات إضعافها. فإما أن تنتصر الدولة بمؤسساتها وقانونها، أو تترك الساحة للفوضى التي لا تبقي ولا تذر، وهو خيار لا يمكن القبول به إذا كان الهدف هو بناء وطن آمن ومستقر لجميع أبنائه.

