7 عوامل تعقّد إعلان النصر.. مأزق ترامب في الحرب الإيرانية
تشهد الحرب بين الولايات المتحدة وإيران تصعيدًا متواصلًا منذ الضربات العسكرية الواسعة التي نفذتها واشنطن بالتنسيق مع إسرائيل داخل الأراضي الإيرانية في نهاية فبراير 2026. ورغم ما أعلنته الإدارة الأمريكية من نجاحات عسكرية أولية، فإن مسار الصراع يكشف عن تعقيدات متزايدة تجعل إعلان النصر أمرًا صعبًا بالنسبة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
ففي الوقت الذي تسعى فيه واشنطن إلى تصوير العمليات العسكرية باعتبارها إنجازًا استراتيجيًا، تشير التطورات الميدانية والسياسية إلى أن الحرب دخلت مرحلة أكثر تعقيدًا، حيث تتداخل التحديات العسكرية والاقتصادية والسياسية في معادلة تجعل إنهاء الصراع بصورة واضحة أو حاسمة أمرًا بالغ الصعوبة.
وتبرز مجموعة من العوامل التي تضع الإدارة الأمريكية أمام مأزق حقيقي في كيفية إدارة الحرب أو إنهائها دون تكبد خسائر استراتيجية على المدى الطويل.
تعقيدات إغلاق مضيق هرمز
يُعد إغلاق إيران لمضيق هرمز أحد أخطر التداعيات المباشرة للحرب، إذ يمثل هذا الممر البحري أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، حيث يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية.
ويشكل هذا التطور تحديًا عسكريًا واقتصاديًا كبيرًا للولايات المتحدة وحلفائها، إذ إن إعادة فتح المضيق ليست مهمة سهلة في ظل القدرات الإيرانية في مجال الألغام البحرية والصواريخ الساحلية والطائرات المسيرة.
كما أن أي محاولة عسكرية واسعة لإزالة الألغام وتأمين الملاحة قد تستغرق وقتًا طويلًا وتعرض القوات الأمريكية لخسائر محتملة، ما يزيد من تعقيد الموقف العسكري ويحد من قدرة واشنطن على فرض سيطرة كاملة على مسار الصراع.
فشل رهانات تغيير النظام
كان اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي في الضربات الأولى للحرب حدثًا مفصليًا في مسار المواجهة، إذ اعتبره كثير من المراقبين مؤشرًا على أن الهدف الحقيقي للعملية العسكرية قد يكون تغيير النظام في إيران.
غير أن التطورات اللاحقة لم تدعم هذا السيناريو، إذ تمكن النظام الإيراني من الحفاظ على تماسكه السياسي والمؤسسي رغم الضربات القاسية التي تلقاها في بداية الحرب.
وزادت تعقيدات المشهد بعد انتقال السلطة داخل هرم القيادة الإيرانية، الأمر الذي أضعف الرواية الأمريكية التي حاولت تصوير الحرب باعتبارها خطوة تقود إلى انهيار النظام.
وبدلًا من ذلك، باتت الحرب تُفسَّر في بعض الأوساط السياسية الأمريكية باعتبارها نجاحًا عسكريًا محدودًا لم يحقق أهدافًا سياسية واضحة.
الخلافات المحتملة مع إسرائيل
من بين التحديات التي تواجه إدارة ترامب أيضًا احتمال ظهور اختلافات في الأهداف الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وإسرائيل.
فبينما قد تسعى واشنطن في مرحلة ما إلى إنهاء الحرب لأسباب سياسية أو اقتصادية، تبدو إسرائيل أكثر استعدادًا لمواصلة المواجهة لفترة أطول إذا رأت أن ذلك يخدم مصالحها الأمنية.
وقد ظهرت بالفعل مؤشرات على هذا التباين بعد قيام إسرائيل بقصف منشآت نفطية إيرانية، وهو ما قد يؤدي إلى توسيع نطاق الحرب وتأثيراتها الاقتصادية العالمية.
كما أن تصريح ترامب بأن قرار إنهاء الحرب سيكون “قرارًا مشتركًا” مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أثار جدلًا داخل الولايات المتحدة بشأن مدى تأثير إسرائيل في القرارات العسكرية الأمريكية.
غياب استراتيجية واضحة للحرب
تواجه الإدارة الأمريكية أيضًا انتقادات متزايدة بسبب غياب رؤية استراتيجية واضحة للحرب وأهدافها النهائية.
فالتصريحات الرسمية الصادرة عن البيت الأبيض ووزارة الدفاع اتسمت في بعض الأحيان بالتناقض، حيث تراوحت بين الحديث عن تدمير البرنامج النووي الإيراني وبين التركيز على ردع طهران أو دعم تغيير سياسي داخل البلاد.
هذا الغموض في تحديد الهدف النهائي للحرب يجعل من الصعب صياغة رواية متماسكة يمكن من خلالها إعلان النصر أو تبرير استمرار العمليات العسكرية.
كما أن استمرار التصعيد دون استراتيجية واضحة قد يؤدي إلى تورط الولايات المتحدة في صراع طويل ومكلف يشبه حروبًا سابقة خاضتها واشنطن في الشرق الأوسط.
الشكوك حول البرنامج النووي الإيراني
من بين القضايا التي تزيد من تعقيد المشهد أيضًا الجدل حول مدى نجاح الضربات الأمريكية في تدمير البرنامج النووي الإيراني.
فالرئيس ترامب أكد مرارًا أن العمليات العسكرية ألحقت أضرارًا كبيرة بالبنية التحتية النووية الإيرانية، إلا أن تقارير دولية تشير إلى أن طهران لا تزال تمتلك مخزونًا من اليورانيوم عالي التخصيب.
وتشير تقديرات بعض الهيئات الدولية المعنية بالرقابة النووية إلى وجود نحو 200 كيلوجرام من اليورانيوم عالي التخصيب في منشآت نووية داخل إيران.
وإذا صحت هذه التقديرات، فإن ذلك يعني أن إيران قد تكون قادرة نظريًا على إعادة تشغيل برنامجها النووي في المستقبل، وهو ما يقوض الرواية الأمريكية حول تحقيق هدف استراتيجي حاسم من الحرب.
غياب الانتفاضة الداخلية في إيران
في بداية الحرب، وجه ترامب رسالة مباشرة إلى الشعب الإيراني دعا فيها إلى استغلال ما وصفه بـ"الفرصة التاريخية" للانتفاض ضد النظام الحاكم.
غير أن هذه الدعوة لم تجد صدى واضحًا على أرض الواقع، إذ لم تظهر حتى الآن أي مؤشرات على اندلاع احتجاجات واسعة أو حركة سياسية قادرة على تهديد بقاء النظام.
هذا الجمود السياسي داخل إيران يشكل تحديًا إضافيًا للرواية الأمريكية، إذ كان بعض صناع القرار في واشنطن يعولون على أن الضربات العسكرية قد تضعف النظام وتفتح الباب أمام تغييرات سياسية داخلية.
لكن استمرار الاستقرار النسبي داخل مؤسسات الدولة الإيرانية يحد من احتمالات تحقق هذا السيناريو في المدى القريب.
الضغوط السياسية داخل الولايات المتحدة
لا تقتصر تعقيدات الحرب على الجبهة الخارجية فقط، بل تمتد أيضًا إلى الداخل الأمريكي، حيث بدأت تداعيات الصراع تظهر في شكل ضغوط اقتصادية وسياسية متزايدة.
فارتفاع أسعار النفط نتيجة التصعيد في الشرق الأوسط أدى إلى زيادة أسعار الوقود وتكاليف المعيشة بالنسبة للمواطنين الأمريكيين، وهو ما قد ينعكس على المزاج العام داخل البلاد.
كما أن سقوط ضحايا في صفوف القوات الأمريكية قد يؤدي إلى تراجع الدعم الشعبي للحرب، خاصة إذا استمرت العمليات العسكرية لفترة طويلة دون تحقيق نتائج واضحة.
ويكتسب هذا العامل أهمية أكبر في ظل اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، حيث يمكن أن يتحول ملف الحرب إلى قضية سياسية رئيسية في الصراع بين الجمهوريين والديمقراطيين.
تحديات إعلان النصر
في ضوء هذه العوامل مجتمعة، يبدو أن إعلان النصر في الحرب على إيران يمثل تحديًا حقيقيًا أمام إدارة ترامب.
فالتاريخ الحديث يظهر أن الحروب الأمريكية غالبًا ما تنتهي بنتائج معقدة لا تسمح بإعلان انتصار واضح أو حاسم، كما حدث في تجارب سابقة خاضتها الولايات المتحدة في مناطق مختلفة من العالم.
وفي الحالة الإيرانية، تتداخل التحديات العسكرية والسياسية والاقتصادية بطريقة تجعل أي محاولة لتقديم الحرب باعتبارها نجاحًا كاملاً أمرًا محل جدل واسع.
ومع استمرار التصعيد في المنطقة، يبقى السؤال المطروح هو ما إذا كانت الإدارة الأمريكية ستتمكن من صياغة مخرج سياسي للحرب يتيح لها إعلان نهاية الصراع، أم أن المواجهة ستتجه نحو مرحلة أطول وأكثر تعقيدًا قد تعيد تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط لسنوات قادمة.