السودانيون في الخليج بين شبح الحرب وأزمة النزوح المزدوج
يعيش آلاف السودانيين المقيمين في دول الخليج حالة من القلق المتزايد، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وهو ما يضع الكثير منهم أمام مخاوف جديدة بعد أن فرّوا في الأساس من الحرب الدائرة في السودان منذ عام 2023.
فبالنسبة لكثير من السودانيين الذين غادروا بلادهم هرباً من النزاع المسلح بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، كانت دول الخليج تمثل ملاذاً آمناً للاستقرار والعمل وبناء حياة جديدة. إلا أن التطورات السياسية والعسكرية المتسارعة في المنطقة أعادت إليهم هواجس النزوح والقلق من احتمالات توسع الصراع الإقليمي.
يروي أحد السودانيين المقيمين في الخليج، ويدعى محمد إبراهيم – وهو اسم مستعار – تفاصيل تجربة مرهقة عاشها مؤخراً بعد اضطراره لقطع مسافة طويلة براً بلغت نحو 1650 كيلومتراً من العاصمة الإماراتية أبوظبي إلى مدينة مكة في المملكة العربية السعودية.
ويقول إبراهيم إنه وصل إلى دولة الإمارات العربية المتحدة في زيارة قصيرة لأسرته التي انتقلت إلى هناك عقب اندلاع الحرب في السودان. لكن تزامن انتهاء مدة زيارته مع تصاعد الأحداث الأمنية دفعه إلى المغادرة سريعاً.
وأوضح أن الرحلة البرية استغرقت نحو 19 ساعة متواصلة، مشيراً إلى أنه اضطر لترك أبنائه في مدينة العين الإماراتية التي وصفها بأنها أكثر أماناً نسبياً، إلا أن القلق عليهم لا يفارقه في ظل الأوضاع الإقليمية المضطربة.
وكان السودان قد شهد في أبريل عام 2023 اندلاع مواجهة مسلحة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، ما أدى إلى واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم خلال السنوات الأخيرة.
وبحسب تقديرات صادرة عن الأمم المتحدة، تجاوز عدد النازحين واللاجئين السودانيين أكثر من 11 مليون شخص بين نزوح داخلي ولجوء إلى دول أخرى، الأمر الذي جعل الأزمة السودانية من أعقد الأزمات الإنسانية على مستوى العالم.
كما حذرت منظمات أممية من تزايد خطر المجاعة وانهيار الخدمات الأساسية في مناطق واسعة من البلاد، ما دفع مئات الآلاف من السودانيين إلى البحث عن فرص عمل وحياة مستقرة خارج السودان.
تُعد دول الخليج العربي من أبرز الوجهات التي يقصدها السودانيون للعمل والإقامة منذ عقود، نظراً للعلاقات التاريخية بين السودان وهذه الدول، إضافة إلى توفر فرص العمل والاستقرار النسبي.
وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن عدد السودانيين المقيمين في المملكة العربية السعودية يتجاوز 1.5 مليون شخص بين مقيمين قدامى ووافدين جدد، بينما يقدر عددهم في دولة الإمارات العربية المتحدة بنحو 200 ألف شخص.
كما تستضيف كل من دولة قطر وسلطنة عُمان عشرات الآلاف من السودانيين، كثير منهم انتقلوا إلى هذه الدول بعد اندلاع الحرب في السودان.
ولا يقتصر دور هذه الجاليات على الوجود السكاني فحسب، بل تشكل تحويلاتهم المالية مصدراً مهماً لدعم ملايين الأسر داخل السودان، خاصة في ظل تراجع الاقتصاد وتعطل العديد من المؤسسات الحكومية والخدمات الأساسية.

وفي ضوء التطورات الإقليمية الحالية، يطالب العديد من أبناء الجاليات السودانية في دول الخليج بوجود خطط طوارئ أكثر وضوحاً، إلى جانب تعزيز التنسيق بين السفارات السودانية والسلطات المحلية في تلك الدول، تحسباً لأي تطورات قد تفرض تحديات جديدة على المقيمين.
من جهتها، ترى الكاتبة الصحفية السودانية مروة الأمين أن استقرار دول الخليج كان الدافع الأساسي وراء توجه السودانيين إليها خلال السنوات الماضية.
وأوضحت أن الإجراءات الميسرة نسبياً لدخول السودانيين إلى دول الخليج، إضافة إلى وجود جاليات سودانية قديمة، ساهمت في تسهيل انتقال العديد من الأسر إلى المنطقة.
لكنها حذرت من أن أي تصعيد عسكري واسع في منطقة الخليج أو البحر الأحمر أو مضيق هرمز قد يؤدي إلى اضطراب حركة الملاحة وأسواق الطاقة العالمية، وهو ما قد ينعكس سلباً على اقتصادات دول المنطقة.
وأضافت أن مثل هذه التطورات قد تؤثر بدورها على فرص العمل للمغتربين، بما في ذلك السودانيون، وبالتالي على حجم التحويلات المالية التي تعتمد عليها أسرهم داخل السودان.
وفي ظل هذه الظروف، يجد الكثير من السودانيين أنفسهم أمام واقع معقد؛ فبلادهم ما زالت غارقة في صراع داخلي مستمر، بينما يواجهون في أماكن إقامتهم تحديات جيوسياسية متصاعدة، ما يجعل خيار العودة أو الاستقرار النهائي مسألة غير محسومة حتى الآن.