مجلس التحرير: مجموعة صحفيين عرب
الموقع قدم أوراق اعتماده
الى نقابة الصحفيين العراقيين

مطالب محركة.. إلى أين تنتهي التظاهرات في اليمن؟

نشر
الأمصار

تشهد المحافظات الجنوبية في اليمن منذ مطلع عام 2026 موجة جديدة من التظاهرات الشعبية، تعكس حالة من التوتر المتصاعد بين ضرورات الإصلاح السياسي ومتطلبات الواقع المعيشي الضاغط. وبينما تؤكد الحكومة المعترف بها دوليًا أن المرحلة الراهنة تقتضي إعادة ترتيب المؤسسات وتعزيز مركزية القرار، يرى محتجون أن الأوضاع الاقتصادية والخدمية بلغت حدًا لا يمكن احتماله، ما يضع الجنوب أمام مفترق طرق سياسي واجتماعي معقد.

في قلب هذا المشهد يقف مجلس القيادة الرئاسي اليمني برئاسة رشاد محمد العليمي، الذي يقود مسارًا لإعادة هيكلة المنظومة الأمنية والعسكرية، بدعم من تحالف دعم الشرعية في اليمن. غير أن هذه الجهود تصطدم بحسابات القوى المحلية، وفي مقدمتها المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي يتمسك بأجندة سياسية مختلفة تتعلق بمستقبل الجنوب وهويته السياسية.

سياق سياسي معقد وتوازنات دقيقة

تأسس مجلس القيادة الرئاسي في أبريل 2022 كصيغة توافقية لإدارة المرحلة الانتقالية، وضم في عضويته أطرافًا متعددة، من بينها ممثلون عن المجلس الانتقالي الجنوبي. هذه البنية التشاركية هدفت إلى توحيد الصفوف في مواجهة جماعة الحوثي، لكنها في الوقت ذاته كرّست واقعًا قائمًا على توازنات حساسة.

أي خطوة تتعلق بإعادة توزيع الصلاحيات أو توحيد القوات المسلحة والأجهزة الأمنية تُقرأ سياسيًا باعتبارها تعديلًا في ميزان النفوذ داخل الجنوب. ولذلك، فإن التظاهرات التي تشهدها مدن مثل عدن والمكلا وأبين لا يمكن فصلها بالكامل عن هذا السياق السياسي، حتى وإن كانت شعاراتها المباشرة تركز على المطالب المعيشية.

الحكومة ترى أن الإصلاح المؤسسي شرط أساسي لاستعادة الدولة، بينما تخشى بعض القوى الجنوبية من أن تؤدي مركزية القرار إلى تقليص دورها الميداني، ما يخلق مساحة للتجاذب قد تنعكس في الشارع.

الاقتصاد كوقود رئيسي للاحتجاج

بعيدًا عن التجاذبات السياسية، تبقى الأزمة الاقتصادية العامل الأكثر حضورًا في تحريك الشارع. فقد شهد الريال اليمني خلال السنوات الأخيرة تراجعًا حادًا أمام العملات الأجنبية، الأمر الذي انعكس مباشرة على أسعار الغذاء والوقود والدواء.

يعتمد الجنوب بدرجة كبيرة على الواردات، ما يجعل أي تذبذب في سعر الصرف يُترجم فورًا إلى ارتفاع في تكاليف المعيشة. ومع محدودية الرواتب، وتأخر صرفها أحيانًا، يجد المواطن نفسه في مواجهة ضغوط يومية متصاعدة، تدفعه للنزول إلى الشارع تعبيرًا عن الغضب أكثر من كونه انخراطًا في مشروع سياسي محدد.

أزمة الكهرباء والخدمات.. معاناة متكررة

تمثل الكهرباء أحد أبرز عناوين الغضب الشعبي، خاصة في مدينة عدن التي تعاني من انقطاعات متكررة تتفاقم في فصل الصيف. ضعف البنية التحتية، ونقص الوقود، وتراجع الاستثمارات في قطاع الطاقة، كلها عوامل أسهمت في استمرار الأزمة رغم الوعود المتكررة بالمعالجة.

كما تمتد المعاناة إلى قطاعات المياه والصحة والنظافة، في ظل محدودية الموارد الحكومية. ومع كل موجة انقطاع طويلة، تتجدد الاحتجاجات، وتتوسع رقعتها، لتتحول المطالب الخدمية إلى قضية رأي عام ضاغطة على السلطات المحلية والمركزية على حد سواء.

إعادة هيكلة القوات وتحديات الدمج

ضمن مسار الإصلاح، تسعى الرئاسة إلى دمج التشكيلات العسكرية والأمنية المتعددة في إطار مؤسسي موحد يتبع وزارتي الدفاع والداخلية. هذه الخطوة تهدف إلى إنهاء حالة تعدد مراكز القوة التي نشأت خلال سنوات الحرب، وتعزيز سلطة الدولة.

غير أن عملية الدمج تصطدم بواقع ميداني معقد، حيث تتمتع بعض الوحدات بولاءات محلية وتنظيمية راسخة. أي تحرك سريع أو غير توافقي قد يُفسر باعتباره استهدافًا لطرف بعينه، ما يدفع إلى ردود فعل سياسية أو جماهيرية.

من هنا، يُنظر إلى بعض التظاهرات باعتبارها رسائل ضغط غير مباشرة في سياق التفاوض حول شكل الدولة وإدارة الجنوب، وليس فقط تعبيرًا عن مطالب معيشية.

الدور السعودي وحسابات الاستقرار

تلعب المملكة العربية السعودية دورًا محوريًا في دعم الاستقرار بالمحافظات الجنوبية، سواء عبر المساندة السياسية أو من خلال برامج تنموية وخدمية. وقد نفذ البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن مشاريع في مجالات الكهرباء والصحة والتعليم والبنية التحتية.

استمرار هذا الدعم مرتبط إلى حد كبير بمدى قدرة السلطات على توفير بيئة مستقرة وآمنة لتنفيذ المشاريع. لذلك، فإن أي تصعيد ميداني أو اضطراب أمني يثير مخاوف بشأن استدامة الجهود التنموية، ويضع الحكومة أمام اختبار يتعلق بقدرتها على ضبط الشارع دون اللجوء إلى أساليب قد تزيد الاحتقان.

المخاطر الأمنية واحتمالات الانزلاق

استمرار الاحتجاجات في بيئة تعاني أصلًا من هشاشة أمنية يرفع من احتمالات الاحتكاك بين المتظاهرين والقوات الأمنية، خاصة في ظل انتشار السلاح وتعدد التشكيلات. كما أن بعض المناطق، مثل أبين وشبوة، شهدت في فترات سابقة نشاطًا لجماعات متطرفة، ما يجعل أي فراغ أمني محتمل مصدر قلق إضافي.

إلى جانب ذلك، فإن الانقسام داخل المعسكر المناهض للحوثيين قد يضعف جبهته التفاوضية والعسكرية، ويمنح خصومه فرصة لإعادة ترتيب أوراقهم. ومن ثم، فإن إدارة الاحتجاجات بطريقة متوازنة تمثل ضرورة استراتيجية، وليس مجرد استحقاق داخلي.

بين التعبير المشروع والاستثمار السياسي

يصعب تصنيف التظاهرات في الجنوب ضمن خانة واحدة. فثمة مطالب معيشية حقيقية لا يمكن إنكارها، تتعلق بالرواتب والكهرباء والأسعار والخدمات. وفي الوقت ذاته، لا يمكن تجاهل أن بعض القوى قد تسعى إلى توظيف حالة الغضب الشعبي لتعزيز موقعها التفاوضي أو فرض شروط سياسية.

هذا التداخل بين الاجتماعي والسياسي يجعل المشهد مركبًا، ويضع الحكومة أمام تحدي الفصل بين الاستجابة للمطالب المشروعة، ومنع انزلاق الشارع إلى أداة صراع بين مراكز القوى.

سيناريوهات المرحلة المقبلة

تتوقف مآلات التظاهرات على عدة عوامل رئيسية. أولها قدرة الحكومة على تحقيق تحسن ملموس وسريع في ملف الخدمات، ولو بشكل تدريجي، بما يعيد جزءًا من الثقة المفقودة. وثانيها نجاحها في إدارة الخلافات مع القوى الجنوبية عبر الحوار والتفاهم، بعيدًا عن الإقصاء أو فرض الأمر الواقع. أما العامل الثالث فيتعلق باستمرار الدعم الإقليمي وتحويله إلى نتائج عملية يشعر بها المواطن في حياته اليومية.

إذا نجحت هذه العناصر في التلاقي، قد تنحسر موجة الاحتجاج تدريجيًا، ويتحول الحراك الشعبي إلى آلية رقابية تدفع نحو تحسين الأداء. أما إذا استمرت الأزمات دون معالجة جادة، فإن الشارع سيظل مفتوحًا أمام موجات متكررة من الغضب، قد تعرقل مسار الإصلاح وتعيد طرح سؤال مستقبل الجنوب وهويته السياسية بقوة أكبر.

في المحصلة، تعكس التظاهرات في جنوب اليمن لحظة اختبار حقيقية لقدرة السلطة الانتقالية على المواءمة بين ضرورات الاستقرار ومطالب الشارع. فالمعادلة لم تعد تقتصر على إدارة صراع عسكري، بل باتت تتعلق بإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. وبينما تتباين القراءات حول دوافع الحراك، يبقى الثابت أن معالجة جذور الأزمة الاقتصادية والخدمية تمثل المدخل الأهم لتهدئة الشارع وفتح صفحة أكثر استقرارًا في الجنوب اليمني.